
الطيب مادري حسن
لم يعد الموت طارئًا في حياة المدنيين، بل صار احتمالًا يوميًا يرافقهم في تفاصيلهم الصغيرة في طريق سفرٍ بحثًا عن الأمان، أو في سرير مستشفى ينتظرون فيه الشفاء. لقد انقلبت المعادلة القاسية، فلم تعد المستشفيات ملاذًا للحياة، ولا الطرقات ممرًا للنجاة، بل تحولت إلى أهدافٍ مفتوحة لنيرانٍ لا تميز بين مريضٍ ومُسعف، ولا بين عابر سبيلٍ ومقاتل.
إن القصف المتكرر للمستشفيات والمناطق المكتظة بالسكان لم يعد مجرد “أخطاء حرب” كما يُروج له، بل أصبح نمطًا ممنهجًا يعكس استخفافًا صارخًا بالقانون الدولي الإنساني، وضربًا لكل القيم التي يفترض أن تحمي الإنسان في أوقات النزاع. فكيف يمكن تبرير استهداف منشأةٍ طبية، يفترض أن تكون محمية بموجب كل الأعراف والمواثيق؟ وكيف يُعقل أن تتحول عربات المواطنين السفرية إلى أهداف عسكرية، وكأن المدني بات مشروع ضحية في كل الأحوال؟
فبعد مذبحة مستشفى الضعين، جاء الدور على مستشفى زالنجي، ومعسكرات النزوح المحيطة به، لتتوالى بعدها المآسي في سرف عمرة والدلنج، في مشهدٍ يعكس اتساع رقعة الاستهداف وغياب أي خطوط حمراء. وكأن الموت بات ينتقل من مدينةٍ إلى أخرى، يحمل ذات السيناريو الدموي، ويعيد إنتاج الفاجعة بذات القسوة.
إلى متى سيظل هذا القصف العشوائي يحصد الأرواح بلا حساب؟ أم أن النفس البشرية فقدت قيمتها في ميزان هذا العالم المضطرب؟ وهل يعكس صمت المنظمات الدولية وعزوف المجتمع الدولي عن التفاعل مع مأساة السودان نظرةً تختزل البلاد في كونها دولة أفريقية منهارة، يُترك شعبها لمصيره المحتوم؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك، ليصل إلى عجزٍ أو تواطؤٍ غير معلن، يفتح الباب واسعًا أمام استمرار هذه الجرائم؟
الأكثر قسوة من مشهد القصف ذاته، هو ذلك الصمت الثقيل الذي يخيم على المنظمات الدولية والإقليمية، صمتٌ يثير التساؤلات أكثر مما يقدم إجابات. أين تقف هذه المؤسسات من مشاهد الدم اليومية؟ وأي معنى يبقى للمواثيق الدولية إن لم تُحمِ الأبرياء في لحظاتهم الأشد ضعفًا؟
إن هذا الصمت لا يمكن قراءته إلا كشكلٍ من أشكال التواطؤ غير المعلن، أو على أقل تقدير عجزٍ فادح عن القيام بالحد الأدنى من المسؤوليات الأخلاقية والقانونية. وفي ظل هذا الفراغ، تتسع دائرة الانتهاكات، ويُترك المدنيون وحدهم في مواجهة مصيرٍ مفتوح على كل الاحتمالات.
هكذا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يوقف هذا النزيف؟ ومن يعيد للإنسان حقه في أن يعيش، أو على الأقل أن يُعالج، دون أن يكون هدفًا في حربٍ فقدت كل معانيها؟




