العدالة التاريخية، من السلام السياسي إلى السلام التأسيسي

العدالة التاريخية، من السلام السياسي إلى السلام التأسيسي:
بقلم: عبد الله ديدان
ظلت عمليات صناعة السلام في السودان لعقود طويلة، ينظر إليها بوصفها إتفاق سياسي ينهى القتال بين أطراف الحرب، لذلك تعاقبت إتفاقيات السلام منذ العام ١٩٧٢ أديس أبابا، مرورا بنفاشا ٢٠٠٥ وأبوجا وأسمرا ٢٠٠٦ وجوبا ٢٠٢٠ وإتفاقيات أخري كثيرة، تغيرت الحكومات وتبدلت النخب السياسية والعسكرية، بينما ظلت الأسباب العميقة للحرب قائمة وما إن تهدأ جبهة حتى تشتعل أخرى، وكأن السودان يدور في حلقة مفرغة من الحرب والتسوية ثم الحرب من جديد.
هذا التاريخ ينتج سؤالا واقعيا عن الغاية من السلام نفسه، فهل السلام هو مجرد غياب الحرب، أم أنه عملية تاريخية لإعادة بناء الدولة ومصالح مجتمعاتها على أسس تمنع إعادة إنتاج الصراع، الشئ الذي يضعنا أمام حقيقة مباشرة وهي ضرورة الإنتقال من البحث المجرب عن السلام السياسي إلى البحث عن السلام التأسيسي لإنهاء الحروب فى بلادنا والذي دونه لن يتحقق سلام شامل ومستدام.
فالسلام السياسي ضروري، لأنه هو الآليه و مجموع العمليات التى تتم عبرها مخاطبة أسباب الحروب وإنتاج الحلول، لكنه ليس كافيا،فوقف إطلاق النار وتوقيع إتفاقية وتقاسم المناصب ودمج بعض القوات وتشكيل حكومة انتقالية، كلها خطوات مهمة لإنهاء النزاع المباشر، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب التي أدت إلى تكرار إندلاعه في تاريخ دولة ما بعد الإستعمار السودانية، حيث ركزت العديد من التسويات على الأطراف المسلحة والنخب السياسية، بينما بقيت الشعوب والمجتمعات المتضررة من سلوك الدولة تجاهها، خارج عملية صناعة السلام وهنا تكمن المشكلة، فإذا كان السلام يعالج علاقة النخب ببعضها ولا يعالج علاقة الدولة بالمواطن، قد يوقف الحرب لكنه لا يبني السلام، فالسلام المستدام والشامل يحتاج إلى تغيير في بنية الدولة، وليس فقط إلى تغيير في موازين القوى داخلها.
بينما نجد أن السلام التأسيسي يختلف عن السلام السياسي في أنه لا يكتفي بإيقاف الحرل، بل يسعى إلى إعادة تأسيس القواعد التي تحكم الدولة والمجتمع، فالسلام السياسي قد يقوم على تسوية بين المتحاربين، بينما السلام التأسيسي يقوم على عقإ اجتماعي جديد بين المواطنين والدولة ويجتث مسببات المشكلة السودانية من جذورها، في السلام السياسي نقول للأطراف، توقفوا عن القتال،
أما في السلام التأسيسي فنتهض به الشعوب الوسدانية وقيادتها من أجل تأسيس سودان جديد بحيث لا تكون هناك حاجة لمطالبة شعوب سودانية بأكملها بدولة المواطنة والحقوق ، لأن عملية صناعة السلام التأسيسي، تقوم أصلا على مخاطبة المسببات التاريخية لهذا التهميش وإختلال معايير المواطنة بسبب غياب الدولة الوطنية فى بلادنا وهذا يتطلب معالجة جذور التهميش، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة يناء المؤسسات و الوصول الى نظام سياسي ديمقراطي وضمان إستقلال القضاء، وتأسيس الجيش والأجهزة الأمنية على أساس وطني ومهني جديد.
و هنا تبرز العدالة التاريخية بإعتبارها أحد المداخل الأساسية للإنتقال من السلام السياسي إلى السلام التأسيسي، الذى يستهدف تأسيس دولة سودانية جديدة تحقق شرط الدولة الوطنية المملوكة لكل الشعوب السودانية دون تمييز، فالعدالة التاريخية هي عملية الإعتراف بالمظالم التي تراكمت عبر تاريخ الدولة السودانية وورثتها نخب المشروع السياسي الموروث منه أيضا، وفهم جذور هذه المظالم ومعالجة آثارها المستمرة في الحاضر، وهي لا تعني الانتقام، إنما تعني الإعتراف بأن هذه الاختلالات التاريخية لا تزال هي المؤثرة بصورة حاسمة في توزيع السلطة والثروة والفرص وغياب دولة المواطنة والعدالة الإجتماعية والمشاركة العادلة والمساواة فى الحقوق والواجبات، عليه، فأن مفهوم العدالة التاريخية بقضايا التهميش السياسي والاقتصادي وعدم المساواة في التنمية و الإسترقاق ومخلفاته والتمييز ونزع الأراضي والإقصاء الثقافي و حروب الإبادة والتشريد وضعف التمثيل السياسي لمعظم الشعوب السودانية المهمشة عمدا بفعل المشروع السياسي السوداني القديم الموروث من المستعمر، لذلك تجاهل هذه القضايا لا يلغيها، بل يسمح بإنتقال آثارها من جيل إلى آخر وهذا هو من الأسباب الجوهرية لانفصال الجنوب وإستمرار فشل النخب السياسية وريثة دولة المستعمر.
ولأن الحروب التى تخوضها شعوب الهامش السودانية مضطرة، ليست مجرد صراع على السلطة بين أفراد أو تنظيمات، بل هي تعبير عن أزمة تاريخية في تأسيس الدولة نفسها، فقد نشأت الدولة ومؤسساتها في السودان في سياق إستعماري، ثم إنتقلت إلى مرحلة ما بعد الإستعمار المباشر، دون أن تعمل النخب السياسية الوريثة، على توافق وطني عميق حول طبيعة الدولة و نظام الحكم ومفهوم الهوية الوطنية وكيفية توزيع السلطة والثروة ومنذ ذلك التاريخ، ظلت الدولة ونخبها، عاجزة عن بناء نظام سياسي يشعر فيه جميع السودانيين بأنهم متساوون في الحقوق والفرص، لذلك فإن التحدي اليوم هو ليس كيف نوقف الحرب ، لكنه يكمن فى التسائل ما الذي جعل الحرب ممكنة ومتكررة بإستمرار، و هو السؤال الذي تقودنا العدالة التاريخية إلى مواجهته، أي الإعتراف بالمسببات الجذرية للإختلالات التاريخية لهذه الدولة والإقرار بمخاطبتها، لأن العدالة التاريخية لا تبحث فى نتائج الأزمة فقط بل فى الإرث الذي شكل مفهوم دولة ما بعد المستعمر وممارساتها التى لم تحقق دولة وطنية فى بلادنا، فهي تذهب إلى جذور أعمق وتسأل عن الأسباب البنيوية التي أنتجت التهميش والعنف وعدم المساواة وغياب دولة المواطنة وعدم الإستقرار، فإنهاء الحروب فى بلادنا لا يمكن تحقيقه بإنكار النخب السياسية القديمة للمظالم التاريخية والإصرار على تمسكها بالإمتيازات غير المستحقة على حساب الشعوب السودانية الأخري وتهميشها إذ أثبتت التجربة السودانية، أن السلام الذي لا يعالج جذور الصراع لا ينهي الحروب، إنما يؤجلها لشرارة أخري، لذلك فإن أي عملية لصناعة السلام يجب أن يكون الهدف منها هو إنهاء الحروب وليس سلاما سياسيا مؤقتا ، يجب ألا يكون مجرد مشروع لإعادة الإعمار، بل مشروعاً لإعادة التأسيس، تأسيس دولة يشعر فيها الجميع بأنهم مواطنون




