رأي

السودان بين خطاب الوحدة ونزعات التفتيت …مني أركو مناوي نموذجاً لأزمة السياسة المعاصرة

جمعة حراز

 

جمعة حراز 

خطاب مني أركو مناوي أحد النماذج المقلقة التي تعكس انزلاقاً خطيراً نحو استدعاء النزعات القبلية الضيقة، ولعل ما يزيد من خطورة هذا المسار، ذلك اللقاء الذي عقده مناوي في إحدى عواصم أوروبا، والذي جاء خطابه فيه شهادة مكتملة الأركان على انزلاقه نحو خطاب عنصري بغيض، لا يليق بمقام العمل السياسي ولا يعبر عن تطلعات شعب أنهكته الحروب والانقسامات. وقد اتسم هذا النهج، في مضمونه وأدواته، بأسلوب جماعات الإرهاب، حيث يتم توظيف خطاب الكراهية والتحشيد العنصري كوسيلة لبث الفتنة وتمزيق النسيج الاجتماعي.

إن ما يصدر من هذا الخطاب لا يمكن فصله عن محاولة منظمة لإشاعة الانقسام، عبر استدعاء ثنائيات الإقصاء وتوظيف الانتماءات الضيقة، في محاولة لإعادة إنتاج مشهد الصراع الاجتماعي بصيغة أكثر حدة وخطورة. وهو ما يضعه في إطار خطاب يتجاوز حدود السياسة إلى مستويات خطيرة من التحريض والتعبئة غير المسؤولة.

إن توجيه خطاب يستهدف مكونات اجتماعية بعينها، مثل أبناء الجنيد وعطية، لا يمكن قراءته إلا بوصفه تعبيراً عن عجز في تقديم مشروع وطني جامع، واللجوء إلى أدوات التفتيت والتأليب التي أثبتت فشلها عبر تجارب السودان المتعاقبة. فالدولة التي تنزف من أطرافها لا تحتمل مزيداً من الشروخ، ولا تحتاج إلى قادة يوسعون دائرة الانقسام، بل إلى رجال دولة يعيدون بناء الثقة ويؤسسون لوحدة قائمة على العدالة والإنصاف.

إن ما صدر في ذلك اللقاء لم يكن زلة لسان عابرة، بل تعبيراً صريحاً عن أزمة خطاب وأزمة رؤية سياسية متكاملة؛ إذ أن الرهان على التحريض الإثني لم يعد مقبولاً في واقع تجاوزته التضحيات الكبرى التي قدمتها قوى التغيير الحقيقي في الميدان.

لقد أثبتت التجربة أن الحركات التي تبني مشروعها على الإقصاء لا يمكن أن تؤسس لدولة، وأن الخطاب العنصري لا ينتج إلا مزيداً من الاحتراب والانقسام. وفي المقابل، فإن القوى التي تنطلق من رؤية تأسيسية جديدة، تؤمن بتجاوز الهويات الضيقة، هي وحدها القادرة على رسم ملامح السودان القادم، دولة تقوم على المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.

إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً سياسياً راشداً، يتجاوز لغة الكراهية، ويؤسس لمشروع وطني جامع، لا مكان فيه للتمييز أو الاستعلاء. أما محاولات إعادة إنتاج الصراع عبر أدوات قديمة، فهي لن تقود إلا إلى مزيد من العزلة السياسية والانكشاف أمام جماهير باتت أكثر وعياً وإدراكاً لحقيقة هذه الممارسات.

فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، وستظل المواقف المسؤولة هي وحدها التي تجد طريقها إلى المستقبل، بينما تتساقط خطابات العنصرية في مزبلة السياسة، مهما علا صوتها في لحظة عابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!