رأي

مناوي : من وهم النضال إلى واقع الانتهازية العارية

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو

ليس كل من صعد إلى مواقع التنفيذ جديرًا بها، فالمناصب لا تصنع القادة بقدر ما تكشف عوراتهم. ولعل تجربة مني أركو مناوي تقدم نموذجًا صارخًا لهذا التناقض؛ رجلٌ ارتقى إلى موقع يفترض فيه الحكمة والرؤية، بينما تعكس مواقفه في كثير من الأحيان اضطرابًا في التقدير وضحالة في الفهم، حتى ليخيل للمتابع أنه لا يعي تمامًا ما يقول.

الرجل الذي عُرف بمقولة “مرة مع دول ومرة مع دول” لم يخذل هذا الوصف، بل جسّده واقعًا معاشًا، حيث بات التنقل بين التحالفات سمة ملازمة له، بلا بوصلة مبدئية ولا التزام أخلاقي. وعندما يتحول الفاعل السياسي إلى انتهازي، تصبح الغاية هي تكديس المكاسب، ولو كان الثمن دماء الشباب التي تُهدر، أو معاناة أهلٍ تُركوا في معسكرات اللجوء منذ 2003، يواجهون مصيرهم في صمتٍ موجع.

لقد اختار مناوي أن يضع يده في يد قوى طالما ارتبط اسمها بالقمع والانتهاكات، من رموز السلطة العسكرية إلى الأجهزة الأمنية التي عبثت بأرواح المواطنين في دارفور. وهو بذلك لم يكتفِ بالتخلي عن شعارات الهامش، بل أسهم في إعادة إنتاج ذات المأساة التي ادعى يومًا أنه يقاتل ضدها.

وقبل أن يكون بوابةً لسلطة المركز التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع المرير، كان مناوي قد نكث عهوده مع قوى الثورة، تلك القوى التي لولاها لما وجد لنفسه موطئ قدم في معادلة سياسية جديدة. كما لم يتورع عن خذلان شركائه في اتفاق جوبا للسلام، رغم أنهم منحوه موقعًا سياسيًا وازنًا في لحظة كان فيها في أضعف حالاته.

أما الخيانة الأكبر، فكانت في حق أهل دارفور أنفسهم، حين تحولت الفاشر إلى ساحة توتر وصراع، بعد أن كانت تنعم بقدر من الاستقرار، في مشهد يعكس توظيفًا مأساويًا لمعاناة الناس في سوق السياسة. لقد أصبح الرجل، للأسف، وقودًا لخطاب الفتنة، ومصدرًا لاصطفافات قبلية تهدد ما تبقى من نسيج اجتماعي هش.

والمفارقة المؤلمة أن هذا الانحدار يأتي من شخص ينتمي إلى مجتمع عُرف بالكرامة والنخوة، في نيالا والضعين والجنينة وكرنوي وبرام، حيث القيم التي تتنافى جذريًا مع هذا المسلك السياسي الضيق.

لكن، ورغم هذا المشهد القاتم، فإن الوعي الدارفوري في تصاعد، وهو وعيٌ لن تنطلي عليه هذه الممارسات طويلًا. فالتاريخ علّم أهل الهامش أن الانتهازية، مهما لبست من أقنعة، إلى زوال، وأن من يساوم على قضايا الناس سيسقط، ولو بعد حين.

لقد فقد مناوي الكثير من رصيده، حتى بات حاكمًا بلا أرضٍ حقيقية، يمارس سلطته عن بُعد، ويلجأ إلى خطاب عشائري ضيق، يكشف أكثر مما يستر. وفي لحظة فارقة كهذه، يصبح السؤال مشروعًا: هل يدرك الرجل حجم ما خسره، أم أن الغرق في مستنقع القبلية قد اعمى البصيرة قبل البصر ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!