
أبو عبد الله الراشدي
“من الأفضل للشعب السوداني أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني. وسوف تكون تجربة مفيدة للغاية. إذ أنها بلا شك ستبين لأبناء هذا الشعب مدى زيف شعارات هذه الجماعة…” – الشهيد محمود محمد طه
لقد عاش السودان لعقود تجربة مؤلمة تحت سيطرة جماعات الهوس الديني، تجربة أعادت للشعب درسًا قاسيًا حول طبيعة السلطة المتطرفة وأدوات الهيمنة الإيديولوجية. هذه الجماعات سيطرت على السودان سياسيًا واقتصاديًا، مستخدمة القوة والعنف، وأذقت المواطن الأمرين، حتى دخلت البلاد في فتنة قلبت النهار إلى ليل، وجعلت المواطن يعيش بين تهديد دائم وعنف مستمر، وساهمت في تشظي النسيج الاجتماعي وارتفاع حدة الصراعات الداخلية.
واليوم، وبعد كل هذه التجربة، يبدو أن مسار الاقتلاع الذي تنبأ به الشهيد الراحل محمود محمد طه قد بدأ يأخذ شكله النهائي. تجربة الحكم القسري والهوس الديني استكملت مراحلها، وأصبح الاقتلاع نحو النهاية واضحًا، ممهدًا الطريق لرمي جماعات الهيمنة الدينية في مزبلة التاريخ، وإتاحة الفرصة لإعادة تأسيس الدولة الوطنية على أسس مدنية عادلة.
وفي قلب هذا التحول، تلعب الرباعية الدولية دورًا محوريًا، إذ تضم الولايات المتحدة الأمريكية، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، ومصر، وتمثل منصة دولية لضبط التوازن السياسي في السودان. الرباعية لا تكتفي بمراقبة الأحداث، بل تعمل على توجيه الأطراف السودانية نحو حل يضمن عدم استمرارية أي مشروع للهيمنة الدينية، ويعزز دولة مدنية ترتكز على القانون والعدالة والمواطنة. لقد أثبتت التجارب السابقة أن الجهود الإقليمية وحدها لم تكن كافية لكبح جماح الحرب، ولذا بات التدخل الدولي المدروس ضرورة لتوجيه السودان نحو مسار الدولة الحديثة.
تجربة حكم جماعات الهوس الديني كانت اختبارًا صارخًا لصمود المجتمع المدني ووعي المواطنين، وأظهرت أن أي محاولة للهيمنة بالقوة ستفشل حتمًا. فقد أظهرت العقود الماضية كيف أن التسلط والإكراه لا يصنعان دولة، وأن الشرعية الحقيقية تبنى بالتوافق واحترام القانون ومشاركة الشعب في صنع القرار، لا بالقهر والترويع. هذه الدروس جميعها تؤكد أن السودان بحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق أسس مدنية، بعيدًا عن أية هيمنة أيديولوجية مستقبلية.
اليوم، يمكن القول إن السودان يمر بالمرحلة النهائية للاقتلاع الحقيقي لجماعات الهوس الديني. كل المراحل السابقة للتجربة المؤلمة كانت بمثابة اختبار حقيقي، والآن البلاد على أبواب تأسيس تجربة وطنية جديدة، تعيد توزيع السلطة والثروة على أسس العدالة والمواطنة، وتضع حدًا لأي هيمنة دينية أو أيديولوجية. هذه المرحلة هي مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة، التي تحترم حقوق الإنسان وتكرس قيم الحرية والمساواة والتعايش السلمي بين جميع أبناء الوطن.
ما يحدث الآن ليس مجرد تفاوض سياسي عابر، بل هو تحقيق عملي لما تنبأ به الشهيد محمود محمد طه. السودان يخطو بثبات نحو زمن جديد، زمن الدولة الوطنية الحرة، بعيدًا عن هيمنة الأيديولوجيات المتطرفة، مدعومًا برؤية الرباعية الدولية التي تعمل على ضمان استقرار الدولة وتحقيق التنمية وإعادة بناء المؤسسات. هذه الجهود الدولية ليست بديلة عن الإرادة الوطنية، بل تكملها، وتوفر الأرضية الملائمة لتثبيت أسس الدولة المدنية الحديثة.
إن ما يجري اليوم يمثل فرصة تاريخية للسودان لاستعادة دوره الطبيعي، وإعادة صياغة مستقبله وفق مبادئ العدالة والحرية والمواطنة، بعيدًا عن التجارب القاسية التي فرضتها جماعات الهوس الديني. فاقتلاع هذه الجماعات من جذورها ليس مجرد نهاية فترة مظلمة، بل بداية مرحلة جديدة لبناء السودان المدني الحديث، الدولة التي تستمد قوتها من شعبها، وتحمي حقوقه، وتضمن مشاركة جميع المواطنين في صنع القرار.
السودان اليوم يقتلع من جذوره الهوس الديني ويعيد صياغة مستقبله على أسس العدالة والحرية، مؤكدًا أن التجربة المؤلمة كانت درسًا بالغ الأهمية، وأن الطريق إلى الدولة المدنية الحديثة بدأ بالفعل بقيادة الشعب وقواه الوطنية، وبدعم الرباعية الدولية في ضمان الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.




