رأي

السودان والهيمنة المصرية : الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع  الفصل الثالث مصر وثورة ديسمبر 2018

دكتور النور حمد

 

دكتور النور حمد .. مواصلة الفصل الثالث 

منذ أن فشلت خطة حكومة صدقي باشا، ومن بعده الرئيس جمال عبد الناصر في جعل الأحزاب الاتحادية السودانية وكيلاً لخدمة مصالح مصر في السودان، بسبب ما ظهر لهم من تلوُّنِها ومراوغاتها وضعف قدراتها على أداء تلك المهمة، رغمًا عن الولاء الشديد الذي ظلَّت تبديه لمصر، اتجهت الأنظمة المصرية إلى خطةٍ أخرى. وقد تمثَّلت تلك الخطة في عرقلة الديمقراطية في السودان عن طريق صنع الانقلابات العسكرية، أو تقديم الدعم للتي لم تشارك في صنعها. إضافة إلى حث البلدان العربية على دعمها. ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة حريصةً على الدوام على أن تكون الأنظمة في السودان أنظمةً عسكرية. لذلك، كان أفضل الخيارات للأنظمة العسكرية المصرية المتعاقبة أن يحكم السودان جنرالٌ متسلط يجعل سلطة القرار السوداني في يده وحده، ويكون في نفس الوقت معتمدًا عليها في تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي له ويصبح خاضعًا لإرادتها. وقد ظلَّت الأنظمة المصرية المتعاقبة تمارس في هذا المنحى مختلف صنوف الابتزاز للجنرالات الذين تعاقبوا على حكم البلاد. حدث هذا مع الفريق إبراهيم عبود، الذي أعانها في ترحيل أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية، بكل ما حوت مما لا يقدر بثمن. فقد جرى إغراق مدينة حلفا بكل تاريخها. وجرى إغراق العشرات من قراها؛ بنخيلها وزراعتها. كما جرى إغراق آثار تاريخية من التاريخ الكوشي والنوبي لا تقدر بثمن. جرى كل ذلك من أجل أن تشيد مصر السد العالي. كما حدث مع الرئيس جعفر نميري الذي بدأ قوميًا عربيًّا وانتهى بإعلان نفسه خليفة للمسلمين في السودان في عام 1983. واستمر أيضًا نهج الهيمنة والتحكم من على بعد في فترة حكم الرئيس عمر البشير الذي بدأ عدوًا لمصر حين كان هو والدكتور حسن الترابي في مركب واحد. لكن ما لبث أن أبعد البشير الترابي عن السلطة في نهاية التسعينيات من القرن الماضى وسار كسابقيه في طريق الخنوع للإرادة المصرية.

نزعة الترابي في تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي، وأحلامه الشاطحة بخلق قوة إسلامية مناطحة للغرب، ورَّطت نظامه في أخطاء فادحة. هذه الأخطاء الفادحة إلى جانب استخفافه بالرئيس عمر البشير ومحاولة جعله مجرد دمية تجلس في الواجهة، باعدت بينهما. الأمر الذي قاد إلى ما سُمي “المفاصلة” التي جرت في نهاية التسعينيات من القرن الماضي وبها جرى إبعاد الترابي من السلطة. وقد صبَّ هذا التباعد بين الحليفين والانقسام الذي نتج عنه وسط تنظيم الإخوان المسلمين، في المحصلة النهائية، في مصلحة النظام المصري. من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها نظام الإخوان المسلمين وصبَّت في صالح مصر، محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995. وقد ثبت بالأدلة القاطعة أن نظام البشير في السودان هو الذي دبرها وهو ما أدخل النظام السوداني في نفق العقوبات الدولية المؤذية. وقبل أن يقوم نظام الإخوان المسلمين في السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، كان قد استضاف الإرهابي أسامة بن لادن. كما شارك في تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، كما شارك في حادثة الاعتداء بقارب على المدمرة كول على سواحل اليمن. كل هذه الأفعال التي أغضبت العالم وأزعجت الإقليم، منحت مصر فرصةً ذهبيةً لتنخرط في ترويض نظام الإسلامويين في السودان، عن طريق الضغوط ليصبح عجينةً طيعةً في يدها. أصبحت مصر، داعمةً بالصوت العالي للعقوبات على السودان. وقد كسبت مصر من ذلك على صعيدين. الصعيد الأول: ترويض نظام الرئيس عمر البشير ووضعه تحت قبضتها. أما على الصعيد الآخر، تكبيل السودان حتى لا يصبح قوةً اقتصاديةً لها قدرات صناعية. فتحوُّل السودان إلى دولة تصنع منتجاتها سوف يحرم مصر من واحدٍ من أهم أهدافها في تكبيل نموه، وهو أن يبقى السودان مكانًا تأخذ منه مصر المواد الخام لتُقوم هي بتصنيعها وإضفاء القيمة المضافة إليها، وتصديرها لصالحها. وسنقدم ما يثبت ذلك من الشواهد فيما هو مقبل من أجزاء هذا الكتاب. خلاصة القول، عبر تشديد العقوبات على نظامه وتزايد ضغوط العزلة عليه، أدرك الرئيس المخلوع عمر البشير أن مصر هي من يسمع منها المجتمعان؛ الدولي والإقليمي، فيما يتعلق بشؤون السودان. فانتقل من حالة العداء الأولى ونهج المصادمة ومحاولة الاستقلال بالقرار السياسي إلى حالة من الرضوخ والاستسلام التام.

مصر والفريق البرهان

أما السيطرة المصرية على مجريات الأمور في السودان، عبر حاكمٍ عسكريٍّ سوداني، التي ظهرت بعد صعود الفريق عبد الفتاح البرهان إلى دست الحكم في السودان منذ 2019، فقد فاق كل ما حدث في السابق. فمنذ صعوده إلى الحكم، رئيسًا لمجلس السيادة للفترة الانتقالية، وفقًا للوثيقة الدستورية، قام البرهان بإلقاء نفسه بالكليَّة في الحضن المصري. ويبدو أن البرهان قد عرف بالتجربة الطويلة، كضابطٍ قياديٍّ ضمن منظومة الحكم للرئيس عمر البشير، أن مصر تريد، على الدوام، حاكمًا عسكريًا للسودان، وأنها لا تترد قط في دعمه إلى أقصى مدى. بعبارة أخرى، من يستسلم لإرادة مصر ويبدى كامل الاستعداد لتنفيذ أجندتها في السودان يضمن لنفسه أطول مدةٍ في السلطة. وهنا، تطابقت رغبة مصر مع رغبة الفريق البرهان العارمة في أن يصير “حاكمًا” للسودان وفقًا لما حكاه في مقابلة تلفزيونية، حيث قال إن والده أخبره أنه رآه في رؤيا منامية وهو “حاكم للسودان”.

لم يجد الفريق البرهان حرجًا في أن يحكي تلك الرؤيا للناس في أول مقابلةٍ متلفزةٍ له مع قناةٍ فضائيةٍ دوليةٍ، عقب توليه رئاسة مجلس السيادة مباشرة. فعل ذلك، رغم علمه أنه رئيس مؤقت لمجلس السيادة، ليدير ضمن المجلس فترةً انتقاليةً محدودةً وفقًا للوثيقة الدستورية. فمهمته ليست أن “يحكم” وإنما أن يمهد الطريق لقيام انتخابات حرة ينتخب فيها الشعب من يحكمه، ثم يذهب هو إلى الثكنات كقائد للجيش لا أكثر. لكن، أثبتت الأحداث المتسلسلة عبر السنوات الست التي تلت تقلُّده رئاسة مجلس السيادة، أن الفريق البرهان لم تكن له نية أصلاً لتسليم السلطة إلى الشعب رغم توقيعه على الوثيقة الدستورية. وقد تطابقت رغبته العارمة في أن يكون حاكمًا مطلقًا للسودان، هذه مع رغبة تنظيم الإخوان المسلمين في العودة إلى السلطة من جديد. أيضًا، عرف البرهان أن وجود الإسلاميين في صفه في اللحظة الراهنة، على أهميته بالنسبة له، سوف يقف، في لحظةٍ قادمةٍ ما، حائلاً بينه وبين تحقيق حلمه بالانفراد بالسلطة. وهو يعرف أصلاً أن مصر ستقبل مرحليًا دعم الإخوان المسلمين له حتى تثبت قدماه في السلطة وأنها ستطالبه لاحقًا بالتخلص منهم. أما تنظيم الإخوان المسلمين فيبدو أنه يعرف تمامًا نية الفريق البرهان في الانفراد بالسلطة ولذلك هم يتربصون به مثلما يتربص بهم هو، ومن ورائه النظام المصري. كما يعرف تنظيم الإخوان المسلمين أنهم لا طاقة لهم في الظروف الراهنة لمصارعة النظام المصري فاختاروا مصانعته وإبداء الرغبة في التعاون معه. ولا أشك أبدًا أن هذا من جانبهم تكتيكٌ مرحليٌّ، وأن لهم خطةٌ استراتيجية مختلفة تمامًا لن يظهر إطلاقًا ما يشي بها في هذه المرحلة. باختصار شديد، أسند الفريق البرهان ظهره بالكامل إلى مصر. فقد وجد في مصر ضالته، ووجدت مصر فيه ضالتها. ومن هنا، بدأ تعاون مصر والبرهان للقضاء على الثورة السودانية، عبر مختلف التكتيكات. ووقف تنظيم الإخوان المسلمين مع البرهان بصورةٍ مباشرة، ومع النظام المصري بطريقةٍ غير مباشرة مع جهود إجهاض الثورة السودانية ومنع التحول المدني اليمقراطي.

تزايد التعاون الاستخباراتي

منذ أن اعتلى الفريق البرهان رئاسة مجلس السيادة، تكثفت زيارات اللواء عباس كامل، مدير المخابرات المصرية السابق، المعلنة وغير المعلنة، إلى السودان. كما تكررت زيارات الفريق عبد الفتاح البرهان، المعلنة وغير المعلنة، ومعه فريق مخابراته إلى القاهرة. لم يكن يمضي شهر أو شهران، إلا وكان عباس كامل وفريقه الاستخباراتي في الخرطوم. لقد كان التنسيق بين المخابرات المصرية والفريق البرهان وأجهزته الأمنية من أجل إجهاض الثورة، واضحًا وضوح الشمس. وقد كانت هناك محطاتٌ بارزةٌ عكست ذلك التنسيق. ومن أغرب الأمور التي حدثت بعد الثورة، لجوء مدير جهاز المخابرات السودانية في فترة حكم البشير، صلاح قوش، إلى مصر. فرئيس جهاز المخابرات هو حامل أسرار الدولة، لا ينبغي أن يصبح عقب تركه منصبه ضيفًا على دولة أخرى، بل، وبصفة لاجئ. خاصةً أن العلاقة بين مصر والسودان تحكمها الأطماع وتديرها مصر على أساسٍ أمني واستخباراتي بحت.

هذا التهاون الأمني السوداني الذي خلقه نظام الفريق البشير، حدث في سابقةٍ أخرى، لا تقل غرابة. فمدير مكاتب الرئيس المخلوع عمر البشير، طه عثمان الحسين، الذي قام البشير بطرده من منصبه، التقطته المملكة العربية السعودية وعيَّنته مستشارًا لديها للشؤون الإفريقية. وما حدث لصلاح قوش وطه عثمان الحسين يمثل واحدةً من أكبر علامات تحلُّل الدولة السودانية وتآكلها أمنيًّا من الداخل. لكن، لا غرابة، فتنظيم الإخوان المسلمين منذ أن أمسك بالسلطة في السودان في عام 1989 أعمل معاوله في بنية الدولة السودانية، وفي قوانينها وضوابطها، وأدخلها في نهج عشوائيٍّ ارتجاليِّ للإدارة أوصل كل شيء فيها إلى حضيص الحضيض. أيضًا، لجأ إلى مصر واحدٌ من أكبر رموز نظام البشير وهو والي البحر الأحمر السابق، محمد طاهر آيلا. أقام آيلا في مصر لمدة ثلاث سنوات عقب قيام الثورة وعاد قبل إشعال الحرب بثلاثة أسابيع. فقد عاد آيلا يوم 24 مارس 2023، وأشعل تنظيم الإخوان المسلمين الحرب في 15 أبريل 2023. ويبدو أن آيلا قد عاد ليتوج جهوده التي كان يقوم بها في القاهرة مع صلاح قوش مدير المخابرات السابق مع المخابرات المصرية التي نجحت في خنق حكومة عبد الله حمدوك، ثم إطاحتها بالانقلاب الذي جرى في 25 أكتوبر 2021.

لقد تقلد محمد طاهر آيلا ابن ولاية البحر الأحمر منصب الوالي لهذه الولاية لعشر سنوات، امتدت من 2005 إلى 2015. وقد كان على صلةٍ وثيقةٍ بالزعيم القبلي محمد أحمد محمد الأمين تِرِك، الذي كان عضوًا بارزًا معه في تنظيم الإخوان المسلمين، وفي حزب التنظيم المُسمى “المؤتمر الوطني”. لقد عمل الثلاثي صلاح قوش ومحمد طاهر آيلا و محمد أحمد محمد الأمين تِرِك في تنسيقٍ تامٍّ لخنق حكومة حمدوك تمهيدًا لإطاحتها. وقد جرى اختيار موانئ منطقة بورتسودان والطريق البري الرابط بينها وبين عمق البلاد أداةً لهذا الخنق. يُضاف إلى ذلك جرى اختيار هذه المنطقة لما يتفر فيها من تبعيةٍ قبليةٍ عمياء من جانب أفراد قبيلة للزعيم محمد أحمد محمد الأمين ترك. فقد جرى توظيف هؤلاء تحت غطاء مختلف الدعاوى التضليلية لإغلاق الميناء والطريق البري. فتوقف الصادر والوارد وحدثت أزمة في السلع أربكت حكومة عبد الله حمدوك وأظهرتها أمام الشعب بالضعف. وبالفعل، أحدث إغلاق الميناء والطريق البري أزمةً في دقيق القمح وفي نقل البضائع بين الميناء وبقية البلاد، كما ضاعف أسعار السلع، بصورةٍ كبيرةٍ جدًا. وبعد أن اكتمل الخنق وتأزمت الأوضاع المعيشية وجرى إظهار حكومة حمدوك بمظهر الحكومة العاجزة، وإظهار ضعفها عبر حملات إعلاميةٍ ضخمةٍ استخدمت التضليل والكذب لبلبلة الرأي العام، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه على الوثيقة الدستورية، وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021.

لقد كان واضحًا لمن يتابعون تصاعد تضييق الخناق على الثورة، وعلى حكومة عبد الله حمدوك، آنذاك، أن مطبخًا للتآمر على الثورة السودانية ظل يقوم بمهمته من القاهرة، بالتنسيق مع الفرق البرهان، وقد ضم هذا المطبخ في مصر كلا من صلاح قوش ومحمد طاهر آيلا. ومن أقوى الأدلة على صنع عسكر مجلس السيادة بقيادة الفريق البرهان أنهم في الوقت الذي كانوا يصوبون فيه الذخيرة الحية على المتظاهرين السلميين من شباب الثورة في الخرطوم، تركوا الناظر ترك يغلق الطريق البري الرابط بين الميناء وبقية أجزاء البلاد ولم يرسلوا إلى هناك أي قوة لايقاف ذلك التعدي بالغ الخطورة على البلاد. أما مصر، فسأتطرق لاحقًا للكيفية التي استفادت بها من إغلاق ميناء بورتسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!