
هل يمكن، حقًا، أن نطلق على الرقعة الجغرافية المسماة “السودان” صفة الدولة؟ وهل تستوفي هذه الكيانية الموروثة عن المستعمر معايير تعريف الدولة كما قررها الفقه الدستوري والسياسي؟
إذا أردنا التعريف بالدولة، فإنها تُفهم على أنها كيان سياسي-اجتماعي يمارس السيادة والسلطة على إقليم محدد وجغرافيا معلومة، وتُدار بشروط تعاقد اجتماعي متوافق عليه، وسلطات قائمة على القانون لا تخضع في ممارستها لتدخل خارجي أو وصاية أجنبية.
لكن إن نحن تأملنا في العناصر الأساسية التي تقوم عليها الدولة، نجدها غائبة بدرجات متفاوتة في التجربة السودانية. فهل نملك حقاً إقليماً تمارس عليه سلطة واحدة موحدة؟ هل ثمة شعب يعيش كمواطنين متساوي الحقوق والواجبات؟ هل هناك منظومة حاكمة تمثل الشعب وتحكم بقوة القانون، وليس بقانون القوة؟ وهل هناك سيادة حقيقية تعني الاستقلال الكامل والحرية من الارتهان للخارج؟ المؤسف أن الإجابة على كل هذه الأسئلة هي “لا”.
ما يُعرف بالدولة السودانية، في ضوء هذا الفحص الموضوعي، يبدو أقرب إلى كيان مشوّه، يفتقر إلى الركائز البنيوية التي تتيح له العمل كدولة بالمعنى المتعارف عليه في الفكر السياسي. هذه الحقيقة تضعنا أمام استحقاق تاريخي مفاده أن اللحظة قد حانت للانخراط في مشروع تأسيس دولة سودانية جديدة، عادلة ومستدامة، تعالج الاختلالات التاريخية والجغرافية والعرقية التي راكمها مشروع الدولة القديمة.
من المفارقات المؤلمة أن بعض النخب الممسكة بزمام الامتيازات التاريخية في هذا الكيان، لا تكتفي بإنكار إخفاق التجربة، بل تذهب إلى حد تخوين من ينتقدها واتهامه بالعمالة والانتماء إلى “الطابور الخامس”! وكم تبدو هذه المفارقة صارخة حين يصر أصحاب هذا الامتياز على احتكار الوطنية، في حين أن فشلهم في إقامة دولة حقيقية هو الخيانة الحقيقية لتضحيات السودانيين وأشواقهم في العدالة والكرامة والسلام.
في السياق الفلسفي، لم يكن مفهوم الدولة يومًا مجرد سلطة تتحكم برقاب الناس. بل هي عند أرسطو “مجتمع الرخاء”، وعند أفلاطون “وسيلة لتحقيق الفضيلة”، فيما رأى جون لوك أن مشروعيتها تُستمد من قدرتها على حماية الحقوق والممتلكات، وقال روسو إن الدولة عقد اجتماعي يتوازن عبره المجتمع. فأين السودان من كل هذا؟ لا عدالة اجتماعية، لا سيادة قانون، ولا حتى عقد وطني جامع.
إن ما نعيشه هو نموذج لدولة مركزية باطشة، احتكرت السلطة والثروة، وقمعت شعوبها، ورهنت قرارها الوطني للخارج، وأقصت الشعب من معادلة الحكم والتنمية. رغم أن السودان يمتلك من المقومات الجغرافية والبشرية والثروات ما يجعله من أعظم الدول، إلا أن النخب التي أدمنت الفشل لم تكتف بالعجز، بل منعت ميلاد البديل الحقيقي.
الخلاصة أن السودان بحاجة إلى إعادة تعريف الدولة نفسها، لا تجميل واقع مشوّه. نحن بحاجة إلى تأسيس مشروع وطني جديد، يكتب عقدًا اجتماعيًا جديدًا، ويؤسس دولة حقيقية… لا مجرد اسم على خارطة.




