سبعون عامًا من أنهار الدم قراءة في أزمة الدولة السودانية منذ الاستقلال
عامر أبكر محمد عثمان المحامي .. نيالا

عامر أبكر محمد عثمان المحامي .. نيالا
لم تكن أزمة السودان، منذ الاستقلال وحتى اليوم، مجرد تعاقب حروب أو انقلابات عسكرية، بل كانت أزمة بنيوية عميقة في طبيعة الدولة نفسها: دولة فشلت في إدارة التنوع، وأخفقت في بناء عقد اجتماعي عادل بين مكوناتها، فانزلقت تدريجيًا إلى العنف، والانقسام، والاستعلاء، وسفك الدماء.
يمكن القول إن الثورة المهدية شكّلت النواة الأولى لبلورة فكرة مقاومة الظلم الخارجي، إذ سعت إلى تحرير السودان من الهيمنة التركية–المصرية. غير أن تلك التجربة، رغم رمزيتها التاريخية، انتهت مع الغزو الإنجليزي–المصري، الذي أحكم سيطرته على البلاد لعقود طويلة، مستندًا – للأسف – إلى تعاون بعض أبناء السودان أنفسهم.
وبعد الحرب العالمية الثانية، التي شارك فيها السودانيون عبر قوة دفاع السودان، قررت بريطانيا منح السودان استقلاله في عام 1956. فارتفع العلم، وأُعلن الاستقلال رسميًا، غير أن ذلك الاستقلال كان شكليًا أكثر منه تحررًا حقيقيًا، إذ ورثت النخب النيلية المركزية سلطة المستعمر، وأعادت إنتاج أدواته وأساليبه.
منذ السنوات الأولى للاستقلال، بدأت ملامح الأزمة تظهر بوضوح. ففي عام 1955 اندلع تمرد “الأنانيا” في جنوب السودان، نتيجة سياسات الإقصاء والقمع والتمييز، واستمر الصراع حتى اتفاقية أديس أبابا عام 1972. لكن جذور المشكلة لم تُعالج، فعاد الصراع مجددًا بتأسيس “الأنانيا 2”، ثم الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983، ردًا على فرض قوانين الشريعة الإسلامية، وسياسات المركز الأحادية.
دامت الحرب في جنوب السودان قرابة عشرين عامًا، خلّفت خلالها أكثر من مليوني قتيل ونازح ولاجئ، وسط تجاهل دولي وإعلامي واسع آنذاك. وفي عام 2005، وُقعت اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، التي منحت الجنوبيين حق تقرير المصير، لينتهي الأمر بانفصال جنوب السودان عام 2011 بنسبة تجاوزت 97%، نتيجة مرارات التهميش، والاستعلاء الثقافي والديني والعرقي.
ولم تتوقف آثار الانقسام عند الجنوب، إذ بقيت مناطق مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي عالقة في صراع مفتوح، وورثت الحركة الشعبية – شمال هذا التعقيد، وسط بحث مستمر عن دولة مدنية، وفيدرالية حقيقية، وعدالة في توزيع السلطة والثروة.
وفي شرق السودان، تأسس مؤتمر البجا عام 1957 للمطالبة بالحد الأدنى من الحقوق الأساسية: التعليم، والصحة، والتنمية، والمشاركة السياسية. غير أن التجاهل المستمر دفع الإقليم إلى التمرد المسلح، وصولًا إلى اتفاقية أسمرا لسلام الشرق عام 2006، التي أُفرغت عمليًا من محتواها بسبب الفساد، وسوء الإدارة، فظل إنسان الشرق في أوضاع لا تليق بكرامته حتى اليوم.
أما دارفور، فقد انفجرت أزمتها عام 2003 مع تمرد حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة، لتشهد الإقليم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث. قُتل مئات الآلاف، ونزح الملايين، وأُحيل الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات توقيف بحق رموز النظام السابق، وعلى رأسهم عمر البشير وآخرون.
ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018، التي مثّلت أملًا تاريخيًا في كسر الحلقة الجهنمية، غير أن الشراكة الهشة بين المدنيين والعسكريين سرعان ما انهارت، بانقلاب 25 أكتوبر 2021، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الانهيار، انتهت إلى حرب شاملة دمّرت ما تبقى من الدولة والمجتمع.
إن تتبع مسار السودان منذ الاستقلال يكشف حقيقة واحدة واضحة: أن الشعوب السودانية، في الأقاليم كافة، ظلت تدفع ثمن هيمنة مركزية ضيقة، تقوم على الإقصاء، والعنصرية، واحتكار السلطة والثروة، واستخدام العنف كأداة حكم. سبعون عامًا من الدماء، والتشريد، والانقسام، لم تكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة.
وسيظل حلم السودانيين قائمًا في بناء دولة مدنية عادلة، تحترم التنوع، وتساوي بين مواطنيها، وتقطع مع إرث الاستعلاء والعنف، حتى يكتمل الاستقلال الحقيقي، وتستعيد البلاد حقها في السلام




