
ابو عبدالله الراشدي
في مشهد معقد تتداخل فيه السياسة بالإغاثة، تبرز العاصمة المصرية القاهرة كمسرح لتطورات تثير قدراً كبيراً من الجدل والتساؤلات. فبينما تُعرف مصر بموقفها الصارم تجاه تيارات الإسلام السياسي، تشير معطيات متزايدة إلى نشاط لقيادات من الحركة الإسلامية السودانية داخل أراضيها، عبر واجهات إنسانية تبدو في ظاهرها معنية بإغاثة المتضررين من الحرب، لكنها في العمق تثير شكوكاً حول أهدافها الحقيقية.
هذه المفارقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السوداني المعقد، حيث تسعى قوى متعددة لإعادة ترتيب مواقعها بعد التحولات التي شهدتها البلاد. وفي هذا الإطار، تبدو بعض الكيانات ذات الطابع الإنساني كمنصات بديلة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي، مستفيدة من شبكة علاقات دولية وإقليمية تم بناؤها خلال سنوات الحكم السابق. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحول العمل الإنساني من أداة إنقاذ إلى وسيلة نفوذ، ومن جسر للتضامن إلى غطاء لنشاطات تتجاوز أهدافه المعلنة.
الأمر لا يتعلق فقط بتداخل الأدوار، بل بتداعيات هذا التداخل على ثقة المجتمع الدولي في منظومة العمل الإغاثي. فحين تُستخدم المساعدات كوسيلة لتعزيز شبكات الولاء أو إعادة تدوير الخطاب السياسي القديم، فإن ذلك لا يهدد فقط نزاهة العمل الإنساني، بل يضرب في صميم الجهود الدولية الرامية لتخفيف معاناة المدنيين
ويزداد المشهد تعقيداً عند النظر إلى التصنيفات الدولية، إذ سبق للإدارة الأمريكية أن أدرجت جماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن قوائم الإرهاب، وهو قرار حظي بتأييد واسع من قطاعات سودانية ومدنية، إضافة إلى دعم من أطراف دولية. هذا المعطى يطرح تساؤلات حادة حول طبيعة الأنشطة الجارية في القاهرة، ومدى انسجامها مع التوجهات الدولية في مكافحة التطرف وتجفيف منابعه.
إن السماح باستمرار هذا النمط من النشاط دون رقابة صارمة قد يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز السودان، لتطال الإقليم بأسره. فالتساهل مع مثل هذه التحركات لا يُقرأ فقط كغض طرف، بل قد يُفهم كإشارة ضمنية لإمكانية توظيف العمل الإنساني في صراعات النفوذ.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن الخط الفاصل بين العمل الإنساني والعمل السياسي يجب أن يظل واضحاً وصارماً. وأي تهاون في هذا الفصل لا يهدد فقط مصداقية المؤسسات، بل يضع الجميع أمام واقع خطير عنوانه: حين تختلط الأوراق، تضيع الحقيقة.



