
نجم الدين دريسة
القوى المدنية وإعادة إنتاج التضليل السياسي: لماذا يساوي البعض بين طرفي الحرب ويغطي على الحقائق؟
منذ بداية الحرب الأخيرة في السودان، لاحظ المجتمع الدولي والمحللون السياسيون المحليون نمطًا متكررًا في خطاب بعض القوى المدنية، يتمثل في معادلة موقف الجيش المختطف وموقف قوات الدعم السريع تحت شعار “عدم جدية طرفي الحرب”. هذا الخطاب ليس مجرد سوء فهم، بل استراتيجية تضليلية تعمل على تمويه الحقائق، وإخفاء أن الحرب بدأت بفعل جماعات الهوس الديني التي استغلت الجيش المختطف للإجهاز على الثورة الباذخة.
تقارير الأمم المتحدة الخاصة بوضع حقوق الإنسان في السودان أكدت أن الجيش المختطف لم يُظهر أي استعداد حقيقي لتسهيل الحلول أو فتح الممرات الإنسانية، بينما كانت قوات الدعم السريع منسجمة تمامًا مع كل المبادرات، وأعلنت عن استعدادها الكامل للتعاون مع الجهود الأممية لضمان وصول الإغاثة.
إن المساواة بين الطرفين ليست عادلة، فهي تعكس تجاهلًا للواقع، وتساهم في إعادة إنتاج خطاب ضبابي يقلل من جدية المبادرات الحقيقية، ويضع المجتمع الدولي أمام وهم “حياد الأطراف”، ما يضعف فرص الحل ويؤخر إعادة الاستقرار.
الجيش المختطف وجماعات الهوس الديني: رفض الحلول ليس خيارًا حرًا بل نتيجة تفاقم الانقسام الداخلي
الجيش المختطف منذ اندلاع الحرب لم يمتلك قرارًا مستقلًا، بل كان تحت سيطرة جماعات الهوس الديني التي أغلقت أي قناة للتسوية السياسية. تقرير صادر عن مكتب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) في أكتوبر 2025 أشار إلى أن هذه الجماعات تتحكم في قيادة الجيش بطريقة مباشرة، وتستخدم النزاع لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والديني، وليس لحماية مصالح السودان أو أمنه القومي.
رفض الجيش للمبادرات لم يكن مجرد موقف سياسي، بل نتيجة انقسام داخلي ومعوقات تنظيمية تمنعه من اتخاذ قرارات مستقلة. هذا يعني أن الحديث عن “عدم جدية الجيش” بمفرده، دون التفريق بين الإرادة الحرة والتقييدات الداخلية، هو حديث مضلل لا يعكس الواقع المعقد للأزمة.
موقف قوات الدعم السريع: تعاون واضح مع المبادرات وجهود ملموسة لتحقيق السلام
على النقيض من موقف الجيش المختطف، أظهرت قوات الدعم السريع موقفًا واضحًا وشفافًا. التقارير الأممية المتتابعة، بما في ذلك تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (OCHA) وتقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أكدت تعاونها الكامل في فتح الممرات الإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات، وحماية المدنيين، ودعم جهود الرباعية الدولية.
كما أظهرت تصريحات قيادة الدعم السريع في سبتمبر 2025 ترحيبها بالمبادرة الرباعية، وتأكيدها التزامها بتسهيل أي جهود سياسية حقيقية لإنهاء الأزمة. هذا يوضح وجود طرف ملتزم بالحل، على عكس الجيش المختطف، الذي يرفض أي مبادرات فعلية ويعمل ضمن مصالح محددة.
أحد الأمثلة الواقعية هو فتح الدعم السريع للطرق المؤدية إلى المناطق المحاصرة في دارفور، ما مكّن المنظمات الإنسانية من إيصال الغذاء والدواء لأكثر من 200 ألف شخص، وهو إنجاز لم يقدر الجيش المختطف على تكراره بسبب تحكم الجماعات الدينية في مراكز القرار.
المبادرات السياسية وفشل بعض الأطراف: من النزق إلى السخرية الشعبية
المبادرات السياسية التي طرحتها عناصر الجيش المختطف أثبتت فشلها أمام المجتمع المدني والدولي، مثل مبادرة رئيس وزراء سلطة بورتسودان التي قُدمت أمام الأمم المتحدة، والتي رفضتها القوى السياسية والمجتمع الدولي على حد سواء، بسبب عدم واقعيتها وابتعادها عن مصالح السودان الوطنية.
تقارير منظمات حقوق الإنسان، بما فيها هيومن رايتس ووتش، وصفت هذه المبادرات بأنها محاولة للالتفاف على الجهود الإقليمية والدولية لحل الأزمة، وأنها تتجاهل جذور النزاع، مثل الفساد البنيوي، وتهميش الأقاليم، والاختلالات في توزيع السلطة والثروة، الأمر الذي يزيد تعقيد الأزمة ويجعل أي تسوية غير مستدامة.
إضافة لذلك، تشير التحليلات السياسية إلى تدخل مصر في إفشال بعض هذه المبادرات، حيث ساعدت هذه الاستراتيجيات في إبقاء السودان في حالة فوضى، لتسهيل استمرار النفوذ المصري على الموارد السياسية والاقتصادية.
التضليل الدولي والمحلي: لماذا تستمر القوى المدنية في خلط الأوراق وإخفاء الحقائق؟
استمرار القوى المدنية في مزج موقف الجيش المختطف مع موقف الدعم السريع يخدم مصالح أطراف محلية ودولية. فقد سمح هذا التضليل ببقاء حالة الفوضى، ومنح غطاء سياسي لمن يعطل الحلول، وحجب المعلومات الدقيقة عن المجتمع الدولي حول المواقف الحقيقية للأطراف.
تقارير الأمم المتحدة الخاصة بمراقبة النزاعات في السودان أشارت إلى أن التضليل السياسي، بما في ذلك الخطاب الإعلامي المغلوط، يساهم في استمرار العنف، ويعقد جهود المنظمات الإنسانية والسياسية في تقديم حلول فعّالة.
الحل يبدأ بفهم مواقف الأطراف والتفريق بين من يعيق ومن يسعى للسلام
الحرب السودانية الحالية معقدة، لكن تحليل موقف الأطراف بدقة يكشف وجود طرف ملتزم بالحل، وآخر يعرقل أي محاولة للتوصل إلى اتفاق. استمرار القوى المدنية في معادلة الطرفين يضاعف الأزمة ويعقد فرص الوصول إلى تسوية سلمية، ويعيد إنتاج خطاب ضبابي يغطي على الحقائق.
الحل لا يبدأ بالمساواة الشكلية بين الأطراف، بل بفهم الواقع السياسي بوضوح، والتفرقة بين من يقبل الحوار ومن يرفضه، وبين من يعطل مصالح البلاد ومن يسعى لإنقاذها. هذا التحليل هو أساس أي مسار تفاوضي صادق، ويعيد تشكيل الرؤية الوطنية ويتيح فرصة حقيقية للسلام والاستقرار في السودان.
إن القدرة على الفصل بين الأطراف الجادة في الحل ومن يراهن على استمرار الحرب، وفهم مواقفهم الحقيقية بعقلانية، بعيدًا عن التضليل أو المساواة الوهمية، هي التي تضمن تحقيق سلام مستدام وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس واضحة وعدالة وطنية شاملة.




