رأي

الحركات المسلحة بين خيار الثعلب ومصير الذئب

آدم بركة دفع الله عطية

قديماً، طالَعنا في كتب المطالعة قصة الأسد والذئب والثعلب؛ خرجوا للصيد، فاصطادوا حماراً وغزالاً وأرنباً. طلب الأسد من الذئب أن يقسّم الغنيمة بينهم بالعدل، فقال الذئب: الحمار لك، والغزال لي والأرنب للثعلب. فغضب الأسد وضربه حتى أطاح برأسه. ثم التفت إلى الثعلب وطلب منه القسمة، فقال الثعلب: الحمار لفطورك، والغزال لغدائك، والأرنب لعشائك. فضحك الأسد وقال: من علّمك هذه القسمة العادلة ؟ فأجابه الثعلب: من رأس الذئب يا ملك الغابة.

هذه القصة، على بساطتها، تختزن درساً سياسياً عميقاً ظل يتكرر في تجارب عديدة: من لا يقرأ مآلات غيره، يلقى ذات المصير. وفي السياق السوداني الراهن، يبدو أن هذا الدرس يُعاد إنتاجه بصورة أكثر قسوة وتعقيداً ليكونوا الآخرين كلاب صيد فقط.

لقد أفضت ترتيبات ما بعد انقلاب أكتوبر 2021 إلى واقع سياسي اختلت فيه موازين الشراكة، حيث احتكر المركز أدوات القوة ، بينما انخرطت أطراف أخرى—بما فيها بعض الحركات المسلحة—في ترتيبات لم تضمن لها موقعاً حقيقياً في معادلة السلطة. ومع مرور الوقت، تكشّف أن هذه الشراكة كانت أقرب إلى “تقاسم صيد الأسد ” غير متكافئ، تُحدَّد فيه الأدوار سلفاً، وتُرسم حدوده وفق مصلحة الطرف الذي كان يهيمن علي الصيد كله.

إن ما حدث لبعض القيادات، ومنهم الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، يعكس بوضوح هشاشة هذه الترتيبات. فبرغم طول المرافقة السياسية والعسكرية، ورغم القبول بأدوار محدودة في كثير من الأحيان (ثعلب) يقسم الصيد للأسد ، فإن ذلك لم يشكّل ضمانة للاستمرار أو الحماية. بل إن النهاية جاءت صادمة، كأنها تذكير عملي بأن منطق القوة لا يعترف إلا بذاته .

الحركات الدارفورية، وغيرها من الفاعلين السياسيين، تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فالتجربة أثبتت أن الاندماج في منظومة غير متوازنة، دون امتلاك أدوات التأثير أو ضمانات الشراكة العادلة، قد يقود إلى ذات المصير الذي لقيه “الذئب” في القصة، مهما بدا المشهد في بدايته مغرياً (صيد انقلاب اكتوبر٢٥) أو قابلاً للتكيّف.

لقد رفعت هذه الحركات، في مراحل سابقة، شعارات تفكيك الهيمنة وبناء دولة العدالة والمواطنة ليكونوا متساويين مع الاسد في الصيد. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف يمكن التوفيق بين هذه الشعارات والممارسات السياسية الراهنة؟ وهل يمكن القبول بدور “الثعلب” الذي ينجو مؤقتاً بالمجاراة والتملّق، أم أن اللحظة تستدعي مراجعة جذرية للمواقف والتحالفات؟

إن النخب المهيمنة، عبر تاريخ السودان الحديث، أظهرت قدرة عالية على إعادة إنتاج ذاتها، حتى على حساب شركائها المؤقتين. وما جرى في السابق من إقصاء وتصفية سياسية، ليس ببعيد عمّا يحدث اليوم، بل هو امتداد له بأدوات وأساليب مختلفة.

وعليه، فإن قراءة “رأس كباشي” لا ينبغي أن تكون حدثاً عابراً، بل درساً سياسياً بالغ الدلالة. فإما أن تعيد القوى السياسية الذين شاركوا صيد انقلاب اكتوبر ٢٥ وخاصة الحركات المسلحةتقييم مواقعها وتحالفاتها على أساس مصلحة جماهيرها ورؤيتها المعلنة، أو أن تجد نفسها، عاجلاً أو آجلاً، في ذات موقع الذئب… تتلقى الضربة ذاتها، وتدفع ثمن ذات الخطأ.

في السياسة، كما في الغابة، لا يكفي أن تتعلّم من أخطاء الآخرين؛ بل الأهم أن تمتلك الشجاعة لتغيير مسارك قبل فوات الأوان.

 ادم بركة دفع الله عطية

ضابط اداري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!