
دكتور حافظ عبدالنبي
في صبيحة الخامس عشر من أبريل، لم يكن المشهد مجرد حدثٍ عابر في سياق الصراع، بل كان لحظةً فاصلةً كُتبت بدماءٍ زكية، وارتسمت فيها ملامح الغدر بأبشع صوره. في ذلك الصباح، استُهدف الأبطال وهم عُزّل، بلا دروعٍ تحميهم ولا سلاحٍ يدافعون به عن أنفسهم، إلا إيمانهم العميق بوطنٍ يستحق التضحية، وقضيةٍ عادلة آمنوا بها حتى آخر رمق. كانت جريمةً تكشف حقيقة القوى الظلامية الإرهابية التي لا تعرف شرف المواجهة، ولا تملك سوى الخيانة سبيلًا، والغدر نهجًا.
لم يسقط أولئك الشهداء لأنهم ضعفاء، بل لأنهم كانوا أقوياء في مواقفهم، صادقين في انتمائهم، ثابتين على مبادئهم. واجهوا مصيرهم بقلوبٍ عامرة بالإيمان، وعقولٍ واعية بحجم التحدي، فكان سقوطهم ارتقاءً، وكانت دماؤهم رسالةً خالدة بأن القيم لا تُهزم، وأن المبادئ لا تُغتال بالرصاص. لقد ظنّ الغادرون أن بإمكانهم إخماد شعلة النضال، لكنهم لم يدركوا أن الدم إذا سُفك في سبيل الحق، يتحول إلى نورٍ يهدي الطريق للأجيال.
وإذا كان شهداء ذلك اليوم قد افتتحوا صفحةً جديدة من صفحات التضحية، فإن القافلة لم تتوقف. لقد لحق بهم شهداء آخرون، ساروا على ذات الدرب، وحملوا ذات القضية، وكتبوا بدمائهم ملامح النضال المستمر. نترحّم عليهم جميعًا، أولئك الذين لم يترددوا في تقديم أرواحهم مهرًا للحرية والكرامة، فصاروا جميعًا رموزًا خالدة في وجدان الشعب، وعناوين مضيئة في سجل التاريخ.
إن استحضار هذه الذكرى لا يقتصر على الحزن أو البكاء، بل يتجاوز ذلك ليكون تجديدًا للعهد، وتأكيدًا على أن الطريق الذي سلكه الشهداء لن ينقطع. فهناك رجالٌ ما زالوا على ذات الدرب، أبطالٌ أشاوس لم تلن لهم قناة، ولم تُثنهم التضحيات، يسيرون بثباتٍ نحو الهدف، مؤمنين بأن النصر ليس خيارًا، بل قدرٌ يُصنع بالإرادة والصبر والتضحيات.
التحية لهؤلاء الذين يحملون الراية اليوم، ويكملون المشوار بإصرارٍ لا يعرف التراجع، وعزيمةٍ لا تنكسر، حتى يتحقق النصر الكامل بإذن الله. فهم الامتداد الطبيعي لأولئك الذين سبقوهم، وهم الضمانة الحقيقية بأن دماء الشهداء لن تذهب سدى.
ستظل جرائم الغدر وصمة عارٍ في جبين مرتكبيها، لا تمحوها الأيام، ولا تُسقطها محاولات التبرير أو النسيان. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والحق لا يموت مهما طال الزمن. وما بين دم الشهداء وعزيمة الأحياء، تتشكل معالم الغد، ويُكتب فجر النصر الذي لا بد أن يأتي.
الرحمة والمغفرة لشهدائنا الأبرار،
والشفاء للجرحى،
والحرية للوطن…
والنصر لقضيتنا العادلة بإذن الله.
15 أبريل 2026 م




