رأي

شتائم منصات الكراهية بين أبواق “درع البطانة” و”المشتركة” صراع الضرائر لإرضاء أولياء النعمة

مهدي حامد

 

مهدي حامد 

إن ما نشهده اليوم من انحدار قيمي في الخطاب المتبادل بين أنصار ما يسمى بـ “درع البطانة” كيكل، و”المشتركة” ليس مجرد تراشق لفظي محدود الأثر، بل هو “بيان نعي” لدولة 1956م، وما هذا الانفجار العنصري المتبادل، الذي استدعى أقذر ما في قاموس “السودان القديم” من مفردات انتقاص الكرامة الآدمية (كـ “عب” و”ظواطة”) إلا تأكيد يكشف بوضوح عن أمراض وطنية مستوطنة وأزمات تاريخية صدئة لم تعالج بعد، في ظل مشهد وضيع يبعث على الغثيان، حين يتعفن لسان أبناءه بالعنصرية النتنة، وتصبح الكلمة خنجرا يُغمد في خاصرة “الوجدان المشترك” نحن الآن لا نعيش ملاسنات كلامية وقحة، بل نعيش “الاستباحة الكبرى” للذات السودانية، جراء “زلزال ” يضرب القواعد والأسس التي نهضت عليها فكرة “الدولة الآثمة” في هذا البلد المنكوب، فيا سادة إنها رصاصات الكلمات التي تقتل المستقبل قبل أن تولد الأجيال، وتنبش قبور صراعات “السودان القديم” لتجعل منها واقعا يوميا مسموما حقد وكراهية.

وكما إن استخدام مفردات بائسة وموغلة في الدونية مثل “عبد” و”ظواطة” وغيرها من النعوت التي تنتقص من كرامة الإنسان، تعكس أمراضا مستوطنة في العقل السياسي السوداني، فهذا الاستعلاء العرقي المتبادل ليس وليد اللحظة، بل هو إفراز طبيعي لأزمات “السودان القديم” الذي فشل في صياغة عقد اجتماعي يحترم التنوع، فإننا أمام “إعاقة وطنية” تجعل من القبيلة خندقا، ومن الجهوية متراسا، بينما الوطن ينزف حتى الموت.

والأدهى من ذلك، جاء في حديث في “ناظر الشكرية” العنصري، بمثابة صب الزيت على النار، وهو حديث لا يمثل خروجا عن النص بقدر ما يمثل “النص الأصلي” لعقلية الاستعلاء التي ترفض الاعتراف بالآخر شريكا في الأرض والمصير، وبالمقابل، جاء رد فعل كيكل وحديثه عن حماية من يمارس الإساءة العنصرية كتشجيع صريح على تفتيت ما تبقى من لحمة، وتهديد مباشر للسلم الاجتماعي؛ إذ كيف يستقيم عدلا أو منطقا أن تُشرعن الإساءة تحت دعاوي الحماية القبلية..؟ وهل سنشهد رد فعل وموقف مضاد لحديث كيكل من الإدارة الأهلية للطرف الآخر مثلا.

ولكن…

صمت العصابة المركزية الموجودة في بورتسودان عما يجري في المنصات ليس صمتا عاجزا، بل هو “صمت المتواطئ” الذي يجد في هذا الاستقطاب الحاد ضالته ومراده، بإعتبار إن هذه النخبة لا تعيش إلا في مناخات الفتنة، ولا تستمر إلا بتمزيق المحكومين لضمان عدم توحدهم ضدها، إنهم يغذون هذا الصراع بغض الطرف عنه، لأن “سياسة فرق تسد” هي الرئة الوحيدة التي تتنفس بها هذه النخبة المتكلسة التي أدمنت العيش على جثث أحلام السودانيين.

أما الموقف الذي يثير الشفقة والاشمئزاز في آن واحد، هو موقف “القوة المشتركة” التي ارتضت التموقف في مشهد الهوان والتبعية وارتضت أن تجلس في خندق واحد مع من يسومها سوء العذاب اللفظي وينتقص من كرامتها وتاريخها، فإن هذا الموقف لا يمكن توصيفه إلا بأنه قمة “الاستلاب السياسي” والدناءة التي تجعل المقاتل يقبل بالإهانة مقابل فتات السلطة أو وعود زائفة من “أولياء نعمة” في المركز لا يرون في هؤلاء المقاتلين سوى “وقود للمحارق” أو أدوات لتثبيت أركان حكمهم المتهاوي، وذلك من خلال ارغام مرتزقة المشتركة في تقديم فروض الولاء والطاعة لعصابة المركز على حساب الكرامة الشخصية والقبلية وهو السقوط الأخلاقي المريع الذي يجهض عدالة أي قضية كانوا يدعون تمثيلها.

والأبعد من ذلك، تمثل في كشف هذا الصراع بما لا يدع مجالاً للشك عن خطورة ووجود تنظيمات سياسية وعسكرية بصبغة قبلية وجهوية(المشتركة ودرع البطانة) فهذه الكيانات ليست مشاريع وطنية، بل هي “قنابل موقوتة” في نسيج المجتمع، إنها تحول الصراع السياسي من تنافس برامج إلى “ثأرات دم” وتراشق عرقي لا يبقي ولا يذر، وإن ما يحدث الآن هو محاولة لإثبات الولاء للمركز عبر المزايدة في العنصرية، وكأن الطريق إلى قلب “السلطان” يمر عبر شتم “الأخ في الوطن”

يا هؤلاء، إن السُّودان يعيش أزمة مصيرية، والبلاد تترنح على حافة الهاوية، وعليه فإن هذه الترهات والإسقاطات النفسية الوقحة لا تبني دولة، بل تحرق وطناً، وبينما أنتم غارقون في وحل “الشتائم الاسفيرية” هناك قوى وطنية حقيقية تقاتل في الميدان وفي الفكر، تسعى لتخليصكم من هذا الواقع البائس، وتعمل جاهدة لانتشالكم من هذه المتاهات التاريخية والمطبات التي وضعكم فيها جنرالات الحروب وتجار الدين والقبيلة.

فإنَّنا اليوم نحتاج الى وعي سياسي يدرك أن العدو ليس في من ينتمي لجهة أخرى أو عرق، بل العدو هو من يسرق مستقبلكم ويجعلكم تتقاتلون بالكلمات والرصاص ليبقى هو في سدة الحكم، وكما إن التاريخ لن يرحم الذين صمتوا، ولن يغفر للذين نفثوا سمومهم في عقول الأجيال، وإن خطاب الكراهية الجاري الآن هو “الطلقة الأولى” في حرب أهلية شاملة إذا لم يتدارك العقلاء الأمر، وعليكم أن تدركوا أن “رصاصة الكلمات” تقتل المستقبل قبل أن تقتل الأفراد، فإننا ندعو إلى تجاوز هذه المتاهات التاريخية الحرجة، والالتفاف حول مشروع وطني جامع يحترم الإنسان لإنسانيته، لا لقبيلته أو جهته. السودان لا يحتمل مزيدا من التشظي، ومن يزرع ريح العنصرية، لن يحصد إلا عاصفة الدمار، فليتوقف هذا العبث، ولتخرس أصوات الكراهية، ليبقى الوطن، أو فلا يبقى شيء.

إنني أضع هذه الرؤية بين يدي الشعب السوداني، لتكون منارة تحذر من منزلقات الهوية، ووثيقة تشهد على أننا حذرنا حين كان التحذير مجديًا، وإن خلاصنا في وحدتنا، وهلاكنا في هذا التراشق الوضيع الذي لا يخدم سوى أعداء الحياة، فهل من مدكر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!