السودان والهيمنة المصرية الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع الفصل السادس دولة الجيش ودولة الشعب
دكتور النور حمد

المفكر والكاتب السياسي د. النور حمد
لا أريد أن يفهم مما سبق ذكره حول انخفاض كلفة المعيشة في مصر مقارنةً بالسودان، أن ذلك كان نتيجةً لقوة الاقتصاد المصري، أو لحسن إدارة النخب العسكرية المصرية للاقتصاد، وهي نخبٌ بقيت في السلطة على مدى 73 عامًا. يعود انخفاض كلفة المعيشة في مصر للدعم الحكومي للسلع. وهي ظاهرةٌ أخذت في التفاقم منذ حدوث ما سُمي بـ”الانفتاح”، في فترة حكم الرئيس الراحل، أنور السادات. منذ ذلك التاريخ، أضحت مصر دولةً معتمدةً، إلى حدٍّ كبيرٍ جدًا، على العون الأجنبي. لقد قدَّمت النخب العسكرية المصرية، في العقود الخمسة الأخيرة من هذه الثلاثة وسبعين عامًا، أسوأ أنموذج لتحوِّل الجيش إلى مؤسسةٍ اقتصاديةٍ مهيمنةٍ على الدولة ومواردها. أصبح الجيش المصري أخطبوطًا اقتصاديًا مهيمنًا سائر جوانب اقتصاد الدولة؛ من تجارةٍ وصناعةٍ وخدماتٍ واستثمارٍ في شتى المجالات، وإنشاءاتٍ، وغير ذلك. يقول عزمي بشارة في توصيف علاقة الجيش المصري بالدولة:
حصل الجيش منذ تولي المشير عبد الحليم أبو غزالة وزارة الدفاع (في نهاية عهد السادات وخلال عهد مبارك)، على امتيازاتٍ كثيرةٍ، بما في ذلك حقه في حسابٍ بنكيٍّ غير حساب الحكومة، والقيام بنشاطات اقتصادية وخدماتية وإسكان وغيره بحجة ضرورة تلبية حاجاته وحاجات ضباطه، بعيدًا عن أزمات الاقتصاد المصري، ما رفعه فوق المجتمع المصري وقضاياه. وتضاعفت هذه الامتيازات في مرحلة مبارك ووزير دفاعه طنطاوي، حتى تحولت إلى نوع من إدارة ذاتية اقتصادية وعسكرية للقوات المسلحة؛ بحيث تأسس مجتمع عسكري أو جمهورية ضباط ذات اقتصادٍ موازٍ، وشبكة خدمات خاصة. وهي ظاهرةٌ مصريةٌ بالغة الخصوصية.
هذا الأنموذج المصري الكليبتوقراطي القح، جرى نقله إلى السودان بحذافيره. فالجيش والقوى الأمنية من جهاز أمنٍ بكل أذرعه، وجهاز شرطة بكل تفرعاته، أصبح يقوم بنشاطاتٍ اقتصاديةٍ وخدماتيةٍ وإسكانٍ وغير ذلك بحجة ضرورة تلبية حاجاته وحاجات ضباطه، بعيدًا عن أزمات الاقتصاد السوداني، وبعيدًا عن معاناة عامة الشعب، ما رفع هذه الأجهزة الأمنية فوق المجتمع السوداني وقضاياه.
هذا النموذج المصري الذي وصفه عزمي بشارة بأنه خصوصية مصرية، قد عبر الحدود إلى السودان نتيجةٍ للهيمنة الاستخباراتية المصرية على قيادات الجيش السوداني، خاصة عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، التي تأكد أن نظام ما تسمى الحركة الإسلامية في السودان هو الذي وقف وراءها. وهو حادثٌ استثمرته مصر في ابتزاز النظام الإخواني السوداني بدعمها للعقوبات الدولية التي فُرضت عليه، ثم جعلت نفسها وسيطًا إقليميا ودوليًا لرفعها. ولم يكن غرض النظام المصري من ممارسة الضغوط على النظام السوداني إزاحته عن السلطة، وهو ما يريده الشعب السوداني، وإنما إضعافه ليصبح خاضعًا لها خضوعًا تامًا. وقد تحقق لها ذلك بالفعل، خاصة في هذه الفترة التي سيطر فيها على مقاليد الأمور في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان. وقليلاً، قليلاً، نقلت مصر نموذج سيطرة الجيش على الاقتصاد التي جرت في مصر إلى عسكر السودان، لتجعل منهم، في ظل رضوخهم التام لها وسيلةً لشفط موارد السودان ولإلحاقه بمصر بطريقةٍ بالغة النعومة. بذلك أصبحت المؤسستان العسكريتان في كلٍّ من مصر والسودان، تديران البلدين عبر أنموذج تكامليٍّ واحدٍ هو أنموذج الدولة الكليبتوقراطية الموازية. أي، دولة الجيش التي تضخمت على حساب دولة الشعب وأضحت تدير اقتصادًا منفصلاً خاصًا بها غير خاضعٍ لرقابة الدولة ومؤسساتها وغير خاضعٍ لرقابة الرأي العام. لقد أضحى السودان في فترة حكم البرهان، التي امتدت حتى الآن لست سنوات، يسير بخطى حثيثة لكي يصبح مستعمرةً مصرية.
انتهى الأمر في السودان بأن سيطرت الدولة الموازية للتنظيم الإسلامي وجيشه المؤدلج على 80% من الاقتصاد السوداني، وفقًا لما صرح به رئيس وزراء الفترة الانتقالية، عبد الله حمدوك، الذي انقلب عليه الفريق البرهان، بتعليماتٍ مصرية، حين قال مدير المخابرات المصرية السابق عمر سليمان للفريق البرهان: “حمدوك لازم يمشي”. فالبرهان يريد القضاء على ثورة ديسمبر مهما كلفه ذلك، ليحقق رؤيا والده التي تنبأت له بحكم السودان، وليقضي لبانةَ شبقِهِ الشخصيِّ العارمِ للسلطة. ومن الجانب الآخر، يريد التنظيم الإخواني السوداني وحزبه الحاكم، المؤتمر الوطني، العودة إلى السلطة بأي سبيل. وقد وافقت رغبة هذين الطرفين السودانيين رغبة النظام المصري، بل وانطبقت عليها انطباقًا كاملًا. فهذا الحلف الثلاثي يتشارك، وبقوة، غرض القضاء على الثورة السودانية وإبعاد بعبع التحول الديمقراطي الذي طالما حاربته مصر في السودان. هكذا تطابقت رغبات هذا الثلاثي ليدخل السودان في هذه الحرب المدمرة التي سيكون المنتفع الوحيد منها في نهاية المطاف النظام المصري، إذا سارت الأمور وفق ما يخطط ويناور. وإذا لم تنتبه القوى السياسية المدنية السودانية المتشرذمة إلى الانغماس المصري في الشأن السوداني، خاصةً منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018 فسوف يلتفون قريبًا ولن يجدوا أي أثرٍ للسودان الذي عرفوه وورثوه من أسلافهم.
مصر تعيش على غيرها
لقد سبق أن أشرت إلى انخفاض كلفة المعيشة في مصر وتماسك الدولة المصرية وأمنها واستقرارها النسبي، وتمتُّع مُدنها بمزايا عيش الحداثة، التي اجتذبت كثيرًا من السودانيين للهجرة إليها. وما أريد أن أقوله هنا عن تلك الظاهرة أن كل ما سبق أن أشرت إليه في هذا الشأن، لم يكن نتيجةً لنظامٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ مقتدر. وإنما لأن الجيش المصري الممسك بالسلطة بقوة السلاح عرف كيف يجعل مصر تعيش على حساب غيرها، منذ فترة حكم الرئيس الأسبق أنور السادات وإلى اليوم. لكن، في فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك تلقت مصر أموالاً ضخمةً من المجتمعين الدولي، والإقليمي، خاصةً من دول الخليج، لاعتباراتٍ سياسية محضة؛ مرَّةً من السعودية، ومرَّةً من قطر، ومرَّةً من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومرَّةً من الكويت… إلخ. ويجري ذلك وفقًا لتقلُّبات مصالح هذه الدول الخليجية مع تقلُّب الأحوال المصرية الداخلية وتقلب الأحوال العربية بصورةٍ عامة. وعلى سبيل المثال، قدمت قطر لمصر في فترة حكم محمد مرسي، بحكم علاقة دولة قطر بتنظيمات الإخوان المسلمين، حزمةً أوليةً من المساعدات المالية بلغت 2.5 مليار دولارًا؛ منها نصف مليار في صورة منحة، وملياران عبارة عن ودائع. وقال وزير الخارجية القطري آنذاك، حمد بن جاسم آل ثاني، إن الدوحة تتباحث مع القاهرة لتحويل جزء من وديعتها إلى منحةٍ، ليصبح إجمالي قيمة المنحة القطرية مليار دولار، بينما يتضاعف حجم الوديعة إلى أربعة مليار دولار.
وما أن أطاح الفريق عبد الفتاح السيسي بالرئيس المنتخب محمد مرسى، دخلت كل من السعودية ودولة الإمارات على الخط لدعم النظام العسكري الجديد الذي قوَّض حكم الإخوان المسلمين. ففي 13 مارس/آذار 2015، أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، وحاكم دبي، خلال مشاركته في مؤتمر القمة الاقتصادية بشرم الشيخ، أن المساعدات الإماراتية لمصر بلغت خلال العامين اللذين سبقا ذلك المؤتمر، أكثر من 51 مليار درهم. وقد شملت مجالاتٍ حيويةً كالتعليم والتدريب والإسكان والنقل والمواصلات والرعاية الصحية والأمن الغذائي والطاقة. وفي نفس تلك الفترة أعلنت الكويت عن مساعداتٍ لمصر قيمتها 4 مليارات دولار في صورة معونةٍ عاجلةٍ لدعم الشعب المصري في مواجهة ما أسمته “الأوضاع الدقيقة”، التي يمر بها. ويقول موقع بي بي سي العربية، إن مساعدات كلٍّ من السعودية والإمارات قد بلغت جملتها 8 مليارات دولار.
الشاهد أن تدفق المال الخليجي على مصر لم يتوقف قط وظل مستمرًا إلى الآن. ففي فبراير 2024، نقل ـموقع “عربي21” عن مصادر خاصة، أن رئيس دولة الإمارات، الشيخ، محمد بن زايد، قدم مساعداتٍ ماليةً عاجلةً لمصر بهدف تخفيف الاحتقان الشعبي المتنامي ضد رئيس نظام عبد الفتاح السيسي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية. فالإمارات، وفقًا لتلك المصادر، تسعى لمساعدة نظام السيسي للتخفيف من حدة غلاء المعيشة الذي يعاني منه المواطن.وكذلك، لضبط سوق العملة الصعبة، لضمان استقرار النظام ومنع تفاقم الغضب الشعبي. وذكر الموقع، أيضًا، أن مصر تعاني من أزماتٍ اقتصاديةٍ خطيرةٍ قد تطيح بنظام السيسي، الأمر الذي يقلق داعميه الإقليميين والدوليين، في ظل ديونٍ خارجيةٍ تعدت 165 مليار دولار. يضاف إلى ذلك، تراجع دخل البلاد من إيرادات قناة السويس، ومن قطاع السياحة، وانخفض معدَّل تحويلات المصريين العاملين بالخارج. وذكر الموقع أن رئيس هيئة الاستثمار في مصر حسام هيبة، أن تحالفًا إماراتيًّا، “المجموعة الاستثمارية كونسورتيوم” سيقود تطوير مشروع مدينة رأس الحكمة السياحي الذي يبعد بمسافة 350 كيلومترًا شمال غرب القاهرة، بقيمة استثماراتٍ تبلغ 22 مليار دولار.
أما موقع Fikra Forum الذي يصف نفسه بأن قد جرى إنشاؤه بمبادرة من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فيقول: في عام 2013، أرسلت الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في إشارة إلى تأييدها الإطاحة بالرئيس التابع لجماعة “الإخوان المسلمين” محمد مرسي، 23 مليار دولار من الهبات والودائع النقدية. وكذلك، شحناتٍ من الوقود في الأشهر الثمانية عشرة التي تلت الانقلاب العسكري. وعلاوةً على ذلك، عندما خفّضت مصر قيمة الجنيه المصري بنسبة 50 في المئة في عام 2016، أودعت المملكة العربية السعودية حوالي 3 مليارات دولار، وأودعت الإمارات حوالي مليار دولار في “البنك المركزي المصري”. ويقول الموقع، مع ذلك، لا توجد بيانات دقيقة وموحدة تحدد حجم المساعدات التي حصلت عليها مصر من دول الخليج. لكن الموقع يضيف قائلاً: إن جريدة “القبس” الكويتية نقلت عن مصادر في “البنك المركزي المصري” في آذار/مارس 2019، أن الدعم الذي تلقته القاهرة من دول “مجلس التعاون الخليجي”، منذ عام 2011، وصل إلى 92 مليار دولار. ومع إضافة مبلغ بقيمة 22 مليار دولار تعهدت به دول الخليج لمصر في نيسان/أبريل 2022، يكون حجم المساعدات الخليجية لمصر قد بلغ نحو 114 مليار دولار. (تكبير الفنط ووضع الخط تحت السطور من وضع المؤلف). ويقول محمد حسنين هيكل إن مصر من أكبر الدول تلقيًّا للمعونات. وأنها في فترة الثلاثين سنة من حكم مبارك حصلت على ترليون دولار من المعونات والمساعدات والتدفقات النقدية. وأضاف هيكل إن تلك المعونات والمساعدات والتدفقات لم يجر استخدامها على نحوٍ سليم.




