خطاب ترامب قد يكون العصا السحرية لحل ازمة السودان وفرض السلام اصبح واقع ولاعزاء للبرهان.
سهيبه مريش:نيالا

سهيبه مريش: نيالا
تشهد الساحة السودانية منذ عقود حالة من الاضطراب السياسي والأمني المتجذر، تجسدت مؤخراً في الصراع المحتدم بين القوى العسكرية المتناحرة، مما ألقى بظلاله الثقيلة على مستقبل البلاد وشعبها. في خضم هذه الأزمة المعقدة، يبرز اسم دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي كعامل غير تقليدي قد يمتلك مفاتيح حل هذه المعضلة، ليس عبر الدبلوماسية التقليدية بالضرورة، بل من خلال نهجه المغاير الذي يركز على القوة الحاسمة والصفقات المباشرة. إن فكرة أن خطاب ترامب أو تدخله المحتمل يمكن أن يكون العصا السحريةلفرض السلام في السودان، مما يجعل هذا السلام حقيقة واقعة، هي فرضية تستحق التحليل، خاصة في ضوء الإحباط المتزايد من المسارات الدبلوماسية الحالية التي لم تحقق سوى المزيد من المراوغة والتصعيد، وتركت قادة مثل الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في مواقع تحدٍ لا يقبل التفاوض.
لطالما اتسمت سياسة ترامب الخارجية بالابتعاد عن البروتوكولات المعتادة واللجوء إلى الضغط المباشر وإعادة ترتيب التحالفات بناءً على المصالح الآنية. في سياق السودان، حيث تتشابك المصالح الإقليمية والدولية، يمكن لهذا النهج أن يخلق ديناميكية جديدة. فالمفاوضات التي جرت بوساطات متعددة، سواء كانت أفريقية أو غربية، غالباً ما كانت تنتهي بوقفات إطلاق نار هشة تخدم طرفاً على حساب الآخر أو تمنح القادة العسكريين وقتاً لإعادة التموضع. خطاب ترامب، الذي يتسم بالصراحة وتوجيه الاتهام المباشر، قد يكسر هذا الجمود عبر تحديد سقف للمناورات. إذا ما قررت إدارة أمريكية بقيادة ترامب إدراج حل الأزمة السودانية كأولوية قصوى، فإنها تستطيع توظيف أدوات ضغط اقتصادي وسياسي قوية لا يمكن تجاهلها بسهولة من قبل الأطراف المتصارعة.
إن العائق الأكبر أمام السلام في السودان هو غياب الإرادة الحقيقية لدى القيادات العسكرية للتنازل عن السلطة أو حتى الالتزام بوقف إطلاق النار طويل الأمد. فالصراع الحالي هو امتداد لصراع نخبوي على الثروة والسلطة، يتجاوز الاهتمامات الوطنية. في هذا الإطار، قد يمثل التدخل الذي يعتمد على مبدأ إما التزام كامل أو عزل تام نقطة تحول. فأسلوب ترامب في التعامل مع قضايا مثل كوريا الشمالية أو الاتفاقيات التجارية، يعتمد على إظهار استعداد واضح لاستخدام أقصى درجات العقوبات أو الانسحاب الفوري. إذا طُبق هذا النهج على الصراع السوداني، يمكن أن يُجبر المتحاربين على قبول إطار عمل تفاوضي صارم يفرض عليهم خفض التصعيد والانتقال السياسي، بدلاً من مجرد إدارة الصراع.
بالنظر إلى دور القوى الإقليمية الداعمة للأطراف المتصارعة، فإن خطاب ترامب القوي قد ينجح في تطويق مساحات المناورة لتلك القوى. فالمعروف أن التدخلات الدولية المعتادة غالباً ما تتجنب الاصطدام المباشر مع النفوذ الإقليمي خوفاً من توسيع بؤرة التوتر. لكن ترامب أظهر مرونة في تجاوز مثل هذه الحسابات التقليدية، حيث قد يعطي الأولوية لإنهاء حالة الفوضى عبر إملاء شروط قاسية على جميع الأطراف المتورطة، بما في ذلك حلفائها أو خصومها الإقليميين الذين يدعمون استمرار الحرب بالوكالة في السودان. هذا التهديد بفرض عزلة شاملة قد يجبر الجهات الفاعلة الإقليمية على مراجعة دعمها للأطراف المتناحرة لضمان عدم تعرضها لعقوبات ثانوية.
أما فيما يخص البرهان وقواته، فإن فكرةلا عزاء للبرهان; تكمن في أن أي سلام حقيقي ومستدام يتطلب تفكيك البنية العسكرية التي استولت على الدولة. إذا كان الحل يُفرض بقوة خارجية غير قابلة للتفاوض، فإن أي محاولات للمماطلة أو التحصن بالشرعية العسكرية ستواجه رداً حازماً. إن البرهان، كقائد يسعى للحفاظ على مكاسبه ونفوذه، يميل إلى الاستفادة من بطء الدبلوماسية والإنهاك الدولي. لكن خطاب القوة الغاشمة، المصحوب بتهديدات بتجميد الأصول أو اتهامات بارتكاب جرائم حرب بشكل مباشر وعلني، يمكن أن يقوض موقفه التفاوضي الداخلي ويجبره على القبول بشروط الانسحاب من المشهد السياسي، أو على الأقل الخضوع لرقابة دولية صارمة على القوات المسلحة.
ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن هذا السيناريو يرتكز على افتراض نجاح الإرادة الأمريكية في فرض رؤيتها، وهو أمر ليس مضموناً دائماً. فالأزمات الداخلية المتجذرة مثل السودان تحتاج إلى حلول سياسية واجتماعية طويلة الأمد تتجاوز مجرد إملاءات خارجية. المشكلة ليست فقط في إيقاف إطلاق النار، بل في بناء دولة ومؤسسات قادرة على استيعاب التنوع والانتقال الديمقراطي. خطاب ترامب قد يوفر الدفعة الأولية لفرض السلام القسري، لكنه قد يفشل في توفير الغطاء السياسي والشرعية الداخلية الضرورية لاستدامة هذا السلام. غالباً ما تكون الاتفاقيات المفروضة بالقوة عرضة للانهيار بمجرد تلاشي الضغط الخارجي.
في الختام، يمكن القول إن خطاب دونالد ترامب، بما يحمله من نهج غير تقليدي يميل إلى الحسم والابتعاد عن التعقيدات الدبلوماسية المطولة، يمثل فعلاً فرصة غير متوقعة لكسر جمود أزمة السودان المستعصية. إذا تم توظيف هذا النهج بجدية، فإنه قد يجبر الأطراف المتصارعة على قبول واقع جديد يضع نهاية للحرب الدائرة ويحول السلام من أمنية بعيدة المنال إلى حقيقة مفروضة، ويكون مصير القادة الذين عرقلوها، وعلى رأسهم البرهان، هو التراجع القسري عن مسار السلطة. لكن النجاح النهائي يعتمد على مدى قدرة هذا التدخل على أن يكون أكثر من مجرد إعلان قوة، ليمتد إلى دعم عملية بناء دولة شاملة بعد توقف الرصاص.




