رأي

في معركة العودة للاتحاد الأفريقي؛ خسئت مصر والجرائر وربح شعب السودان

عباس أحمد السخي

 

 عباس احمد السخي 

في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان الحديث، وبينما كانت أنظار شعبه تتجه نحو استعادة مساره المدني الديمقراطي، برزت على السطح محاولات إقليمية لإعادة تسويق سلطةٍ انقلبت على إرادة الجماهير، عبر السعي إلى استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي. وكانت مصر في طليعة الدول المطالبة بإنهاء تعليق العضوية، وتبعتها في ذلك الجزائر، في موقفٍ أثار كثيراً من الاستغراب، ليس فقط في الأوساط السياسية السودانية، بل في الدوائر الأفريقية الحريصة على احترام مواثيق الاتحاد ومبادئه المؤسسة.

إن مطالبة القاهرة والجزائر بإعادة المقعد السوداني إلى حكومةٍ جاءت عبر انقلاب عسكري تمثل تجاوزاً صريحاً للنصوص الحاكمة لعمل الاتحاد الأفريقي. فالميثاق التأسيسي للاتحاد، ولا سيما المادة (30)، ينص بوضوح على تعليق مشاركة أي حكومة تصل إلى السلطة بوسائل غير دستورية. كما يؤكد “الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم” على رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات، ويُلزم الدول الأعضاء بعدم الاعتراف بها أو دعمها. هذه النصوص لم تكن حروفاً جامدة، بل جاءت تتويجاً لتجارب أفريقية مريرة مع الانقلابات العسكرية التي أهدرت طاقات الشعوب وأدخلت القارة في دوامات من النزاعات والانقسامات.

وعليه، فإن أي مسعى لإعادة عضوية حكومة انقلابية قبل استكمال الانتقال المدني إنما يُعد التفافاً على روح الميثاق قبل نصّه، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الانقلاب يمكن أن يصبح أمراً واقعاً قابلاً للتسويق السياسي إذا ما حظي بدعم إقليمي كافٍ. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يدفع مصر تحديداً إلى هذا الإصرار؟

ليست هذه المرة الأولى التي تنحاز فيها القاهرة إلى أنظمة عسكرية في محيطها العربي والأفريقي. فقد درجت السياسة المصرية، عبر عقود، على دعم أو احتضان سلطات انقلابية، انطلاقاً من تصورٍ أمني ضيق يربط الاستقرار بقبضة العسكر، ويتوجس من صعود نماذج مدنية ديمقراطية قد تعيد صياغة معادلات النفوذ في الإقليم. لكن السودان ليس ساحةً مستباحة، وشعبه الذي خرج بالملايين مطالباً بالحرية والسلام والعدالة لم يكن في حاجة إلى وصاية سياسية من أي طرف، ولا إلى مشاريع استتباع اقتصادي أو أمني تُفرض عليه تحت لافتة “الاستقرار”.

إن التدخل المصري في الشأن السوداني، سواء عبر مواقف سياسية داعمة للسلطة الانقلابية أو عبر تحركات دبلوماسية في أروقة الاتحاد، لا يمكن فصله عن حسابات تتعلق بالهيمنة على القرار السوداني، والتحكم في مساراته الاستراتيجية. غير أن ما لم تدركه القاهرة هذه المرة هو أن الوعي الشعبي في السودان قد بلغ درجة من النضج تجعله قادراً على تمييز الصديق من المتدخل، وعلى مقاومة كل أشكال الوصاية، مهما كان غلافها الدبلوماسي ناعماً.

أما موقف الجزائر، فقد جاء صادماً لكثير من السودانيين الذين طالما نظروا إلى الجزائر بوصفها رمزاً لحركات التحرر في أفريقيا والعالم العربي. فالجزائر التي ساندت كفاح الشعوب ضد الاستعمار، ووقفت بقوة مع حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وساندت قضية الصحراء الغربية في المحافل الدولية، كان يُنتظر منها أن تنحاز بوضوح إلى إرادة الشعب السوداني لا إلى سلطةٍ فرضت نفسها بقوة السلاح. إن انحياز الحكومة الجزائرية في هذا الملف لا يعكس بالضرورة مواقف الشعب الجزائري المعروف بحبه للحرية وتاريخه النضالي، بل يعبّر عن حسابات سياسية آنية لا تنسجم مع الإرث الثوري الذي طالما تباهت به الجزائر.

لقد شكّل قرار استمرار تعليق عضوية حكومة الحرب في الاتحاد الأفريقي انتصاراً معنوياً وسياسياً للشعب السوداني وقواه المدنية المحبة للسلام. فهو تأكيدٌ على أن القارة لم تعد تقبل بسهولة عودة العسكر إلى مقاعد الشرعية دون استحقاق شعبي، وأن دماء الضحايا ومعاناة المدنيين ليست أوراقاً يمكن تجاوزها في صفقات سياسية عابرة.

كما إن المعركة الحقيقية لم تكن حول مقعدٍ في منظمة إقليمية فحسب، بل حول مبدأ: هل تُحترم إرادة الشعوب أم تُختزل في تفاهمات بين الحكومات؟ في هذه الجولة، خسر دعاة إعادة تسويق الانقلاب رهاناتهم، وخسئت كل محاولة لشرعنة سلطة الحرب، بينما ربح الشعب السوداني جولة جديدة في معركته الطويلة من أجل الدولة المدنية الديمقراطية. قد تتعدد الضغوط، وتتغير التحالفات، لكن الثابت أن الشعوب حين تصرّ على حقها في الحكم الرشيد، فإنها قادرة على إحباط مشاريع الهيمنة، أياً كان مصدرها، وأياً كانت الشعارات التي ترفعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!