رأي

إعادة صياغة الأزمة السودانية: بين بنية السلطة ومنطق الانقسام

دكتورة تيسير مصطفى

 

دكتورة تيسير مصطفي 

لم تعد الأزمة السودانية تحتمل الاختزال في شعار “الفساد” أو في تحميلها لمجموعة بعينها. فمثل هذا التبسيط، رغم جاذبيته الخطابية، لا يفسر الواقع بقدر ما يُعيد إنتاج العجز نفسه. الحقيقة أكثر عمقًا وإزعاجًا: نحن أمام بنية حكم متكاملة تقوم على التحكم في الوصول إلى السلطة والثروة، لا على إدارة دولة حديثة.

في هذا النظام، يُقدَّم الولاء على الكفاءة، وتُدار الموارد عبر احتكارات محمية بشبكات سياسية واقتصادية ، وتُختطف مؤسسات الدولة لخدمة مصالح ضيقة بدلًا من الصالح العام. والنتيجة فساد متشعب، ودولة غنية بالموارد، فقيرة في العدالة، وعاجزة هيكليًا عن تحويل الثروة إلى فرص متكافئة

لقد فشلت معظم مشاريع الإصلاح، بما في ذلك تجارب ما بعد الثورة، لأنها ظلت تدور في سطح الأزمة: حملات مكافحة فساد، تغييرات في الوجوه، أو رهانات على الخارج. لكن كل ذلك لم يمسّ جوهر المشكلة: البنية التي تنتج الفساد وتعيد إنتاجه باستمرار.

وعلى مدى عقود، اعتمدت السلطة على آلية ثابتة للبقاء: “فرّق تسد”. مرة عبر إذكاء خطاب القبيلة والعِرق، ومرة عبر تضخيم الفوارق الجغرافية والتهميش الإقليمي، مدعومة بالقوة والعنف وقمع الأصوات. لم تكن هذه ممارسات عشوائية، بل هندسة واعية لتفكيك المجتمع وإضعاف أي مشروع وطني جامع.

في هذا السياق، يُطرح اليوم واقع لا يمكن تجاهله: فقد تم تصنيف التيار الإسلامي في السودان ضمن سياقات مرتبطة بالإرهاب من قبل الولايات المتحدة، وهو ما يعكس حجم الجدل والتعقيد المحيط بدوره. وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن هذا الواقع يفرض سؤالًا حاسمًا حول مستقبل هذا التيار وإمكانية استمراره كفاعل مهيمن في المشهد السياسي.

غير أن ما نشهده على الأرض يشير إلى تكيف مستمر، حيث يتم اللجوء إلى إعادة تدوير الخطاب عبر تأجيج القبلية والعنصرية، واستثمار حالة الحرب، بدعم من شبكات مصالح تراكمت على مدى ما يقارب أربعة عقود، تشمل مستفيدين من اقتصاد الحرب ومنظومات الفساد القديمة.

الأخطر من ذلك، أنه بعد أن أظهر قطاع واسع من السودانيين رفضًا واضحًا لهذه المنظومة، برزت محاولات لإعادة صياغة الأزمة وكأنها في جوهرها صراع اجتماعي أو قبلي، مع تحميل مجتمعات بعينها المسؤولية، في تجاهل متعمد لامتداد هذه الشبكات داخل مختلف مكونات المجتمع السوداني. هذا الطرح يعكس قصورًا في الفهم، ويساهم في تأليب المجتمع على نفسه، ويفتح المجال لاستمرار نفس المنظومة التي تقوم على نهب الموارد واحتكار السلطة.

وفي هذا المناخ، يتراجع احترام المعرفة والخطاب العقلاني، لصالح سرديات انفعالية تدرك في عمقها أنها تفتقر إلى مشروع فكري حقيقي قادر على إخراج البلاد من أزماتها. فالصراع في جوهره اصبح صراع علي من يملك السلطة والثروة، مع غياب الرؤية حول لماذا وكيف تُدار هذه السلطة أصلًا.

ومع استمرار الحرب، تتصاعد هذه الديناميكيات بشكل أكثر خطورة، حيث يتم توجيه الغضب الشعبي نحو أهداف ضيقة، بينما تبقى البنية الحقيقية للأزمة دون مساءلة. بل إن بعض الخطابات المعارضة تقع في فخ إعادة إنتاج نفس أدوات الانقسام، فتتحول من قوة تغيير محتملة إلى جزء من المشكلة.

وفي خضم ذلك، يبرز خطاب يتحدث عن “جذور الأزمة” دون تعريف واضح أو حلول عملية، وهو خطاب يظل ناقصًا، بل وقد يتحول إلى أداة إضافية لتغذية الاستقطاب بدل تجاوزه.

وفي مقابل هذا المشهد، يبرز ميثاق التأسيس كأحد الطروحات التي تحمل ملامح مشروع وطني مختلف، وقد يشكّل مدخلًا حقيقيًا للحل إذا توفرت الجدية في تنفيذه. يقوم هذا الطرح على إعادة هيكلة الدولة عبر نظام فدرالي لا مركزي، مع فصل واضح بين الدين والدولة، وتقسيم البلاد إلى ثمانية أقاليم، يكون لكل إقليم فيها قدرٌ واسع من الاستقلالية في إدارة موارده وشؤونه.

مثل هذا النموذج يمكن أن يعيد توزيع السلطة والثروة بشكل جذري، ويكسر مركزية الاحتكار التي ظلت سمة أساسية في تاريخ الحكم بالسودان. كما يفتح المجال أمام نشوء حكومات إقليمية أقرب إلى المواطنين، وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجاتهم، مما يخلق تنافسًا إيجابيًا قائمًا على التنمية والازدهار، بدلًا من الصراع على احتكار السلطة والثروة.

وفي هذا الإطار، تصبح الموارد ملكًا فعليًا لمواطني الأقاليم، وتتراجع الولاءات الضيقة لصالح أولويات التنمية والخدمات. وهو تحول، إن تحقق، قد يضع حدًا لدورات الإقصاء وإعادة إنتاج النخب المسيطرة.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإرادة السياسية لتنفيذ الرؤيه وهنا يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل توجد جدية حقيقية لتطبيق مثل هذا المشروع، أم سيبقى مجرد تصور نظري يُضاف إلى قائمة المبادرات المؤجلة؟

في النهاية، يبقى السؤال الأكبر، بكل ثقله: كيف يمكن تفكيك احتكارات السلطة المتجذرة دون تفكيك الدولة نفسها؟ وكيف يمكن كسر دائرة الانقسام دون الانزلاق إلى فوضى شاملة؟

هذا ليس سؤالًا نظريًا، بل هو جوهر المعركة على مستقبل السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!