
إيمان التجاني
في السودان، يبدو أن كل خطط الجيش لإعادة تنظيم صفوفه وتصنيف الجماعات المساندة مجرد شعارات إعلامية لا أكثر، لأنها تصطدم بحقيقة صارخة: القرار العسكري الفعلي في يد جماعات الإسلام السياسي منذ أكثر من ثلاثة عقود. كل خطوة رسمية، وكل بيان يخرج من القيادة، لا يمثل إرادة الجيش نفسه، بل هو مجرد تنفيذ لتوجيهات تلك الجماعات التي تسيطر على مفاصل المؤسسة وتحدد تحركاتها وفق مصالحها وأجندتها الضيقة.
التحرك الأخير لقيادة الجيش، لإخضاع جميع القوات المساندة لأحكام قانون القوات المسلحة ودمج بعضها داخل المؤسسة العسكرية، يأتي بعد توالي إخفاقات ميدانية في إقليمي دارفور وكردفان. مصادر عسكرية أكدت أن هذه الخطوة تأتي بناءً على قرار القائد العام عبد الفتاح البرهان الصادر منتصف أغسطس الماضي، لكنها في الوقت نفسه مكبلة بالكامل بتأثير جماعات الإسلامويين، الذين يحددون ما يمكن للجيش فعله على الأرض وما يجب أن يُترك للفصائل المساندة التي تتبعهم.
ردود الأفعال على هذه الإجراءات لم تكن مفاجئة. فصائل مثل كتيبة براء بن مالك رفضت التصنيف الميداني ووصفت القرارات بـ”الكارثية”، وطالبت بإقالة رئيس هيئة الأركان ونوابه، مؤكدة أن القيود المفروضة على عملها أضرت بالقدرة القتالية للجيش وأدت إلى فقدان مناطق استراتيجية مثل غرب كردفان وخطوط الإمداد في هجليج. الوثائق المسرّبة من قيادة الكتيبة أظهرت أن كل قرار عسكري يُفرض ليس لأسباب ميدانية بحتة، بل يحمل بعداً سياسياً واضحاً يستهدف ضبط الفصائل المساندة وفق رؤى جماعات الإسلام السياسي.
الواقع يؤكد أن الجيش لم يكن منذ زمن بعيد سوى أداة تنفيذية. أي محاولات لإعادة الهيكلة أو دمج الفصائل المساندة ليست سوى ذر للرماد في العيون، لأن القرار الحقيقي في كل شيء، من العمليات إلى إعادة توزيع المهام، يخرج من قيادة خفية تمثل جماعات الإسلامويين، لا من عقل عسكري مستقل. المؤسسات العسكرية لم تعد تمتلك القدرة على صياغة سياسات مستقلة، ولا على حماية الدولة والمواطنين من الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل المساندة تحت إشرافها المباشر.
هذا الواقع يعكس هشاشة كاملة للمؤسسة العسكرية ويثير تساؤلات مصيرية حول مستقبل الأمن والاستقرار في السودان، خصوصاً في المناطق الساخنة التي تشهد صراعات متكررة بين الفصائل المساندة، والتي تسيطر عليها الكتائب الإسلاموية. التحذيرات من سقوط مزيد من الولايات، ومن انهيار المشروع الوطني، لم تُسمع سوى من أصوات داخلية ووثائق مسرّبة، بينما يستمر الإعلام الرسمي في التغطية بشعارات لا علاقة لها بالواقع.
ختاماً، السودان اليوم أمام حقيقة لا يمكن إنكارها: الجيش مجرد واجهة، والفعل الحقيقي يُدار من قبل جماعات الإسلامويين منذ أكثر من ثلاثين عاماً. كل خطة رسمية أو تصنيف ميداني لا يعالج الأزمة، بل يكرس السيطرة السياسية على المؤسسة العسكرية، ويترك مستقبل البلاد رهناً بيد جماعات خارج سلطة الجيش نفسه. والسؤال الأبرز يظل: متى سيستعيد الجيش استقلاليته ويصبح فعلياً قوة تحمي الوطن، لا أداة لأجندات سياسية محلية ودولية؟




