
د. النور حمد
ناصب الثلاثي المكون من الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين والنظام المصري ثورة ديسمبر2018 عداء شديدًا. غير أن لكل جهة من هذا الثلاثي أجندتها الخاصة، وإن اتفقت أجندتهم في المرحلة الأولى وهي إجهاض الثورة. وقد عبَّر السودانيون مرارًا وتكرارًا عن حيرتهم إزاء قمع النظام المصري للإخوان المسلمين داخل حدود مصر، بلا هوادة، من جهةٍ، وحرصها على إعانة الفريق البرهان الواقع في قبضة الإخوان المسلمين على الانفراد بالحكم في السودان، من الجهة الأخرى. ويبدو أن النظام المصري قد كوَّن، منذ فترة حكم الرئيس البشير، قناعةً مفادها أن الإخوان المسلمين في السودان ليسوا سوى عصابةٍ أوليغاركيةٍ تحركها مصالحها الشخصية. فإن مهَّد لهم مع الفريق البرهان، طريق العودة إلى الحكم من جديدٍ، وفق صيغةٍ ما، وجعلهم محصَّنين من المحاكمات على جرائمهم الماضية، وفتح لهم أبوابًا جديدةً لمراكمة الثروات مرة أخرى، فإنهم لن يمثلوا خطرًا عليه. بل، سيحققون له كامل خطته في السودان المتمثلة في نهب الموارد الذي ينتهي إلى صورةٍ من صور الإلحاق الجزئي في هذه المرحلة، ثم إلحاقًا كليًّا، في نهاية الأمر. وما خطة إعادة الإعمار التي تسعى مصر لاحتكار تنفيذها، سوى دليلٍ دامغٍ على أن النظام المصري قد وضع الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين في السودان، أو جزءًا معتبرًا من مكوناته، في جيبه تمامًا. والدليل على ذلك، أننا لم نسمع، حتى الآن، أي اعتراضٍ من أي فصيلٍ من فصائل تنظيم الإخوان المسلمين العديدة في السودان، على خطة إعادة الإعمار هذه المحتكرة للنظام المصري، ولا أيَّ إشارةٍ إلى أخطارها الماحقة. وهي خطةٌ يقول كل شيءٍ فيها إنها غارقةٌ في الفساد حتى أذنيها.
ذكر الاقتصادي المصري، محمد أبو عاصي، الذي أعده أحد أبواق جهاز المخابرات المصري، في تسجيل صوتي انتشر كثيرًا في وسائط التواصل الاجتماعي السودانية، أن عديدًا من الدول هرعت إلى السودان محاولةً الحصول على ما يمكن الحصول عليه من عقودٍ في خطة عملية إعادة الإعمار هذه. غير أنه قال، إن مصر جهزت ملفًّا كاملاً لهذا الأمر، وانخرطت مع الفريق البرهان ومجموعةٍ من المسؤولين السودانيين في لقاءاتٍ سرِّيَّةٍ أدت إلى أن يكون النظام المصري هو الجهة الوحيدة التي ستقوم بتنفيذ خطة الإعمار. وأن 250 ألف شركةً، وفقًا لما ذكر أبو عاصي، قد جرى إعدادها لتقوم بهذه العملية. غير أن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تجري مناقشة أمرٍ كهذا في لقاءاتٍ سريَّةٍ أصلًا؟ فهذه عملية إعادة إعمار، لبلد تعرض لأكبر نكبةٍ إنسانيةٍ وأكبر قدرٍ من التدمير الشامل، في هذا القرن. فلماذا لا تجري هذه العملية تحت سمع وبصر المجتمع الدولي والإقليمي، خاصةً وأن الفريق البرهان قائدٌ عسكريٌّ سطا على السلطة بانقلاب عسكري، وأن حكومته حكومة أمر واقع مفروضة على الشعب السوداني بقوة السلاح. ثم هي حكومة لها من الفساد ما يزكم الأنوف. فالفريق البرهان وحكومته المزعومة لا يملكان أي تفويضٍ من الشعب السوداني لكي يدير مشروعًا ضخمًا كهذا وبهذه الطريقة التي تُدار من غرفٍ مظلمةٍ بين أطرافٍ أجنبية وحكومة غير شرعيةٍ سارقةٍ للسلطة، ومن وراء ظهر الشعب السوداني؟
هذه العملية ليست مقاولةً عادية، وإنما عملية إعادة بناء وتشييد وإصلاحٍ شاملةٍ لقطرٍ حطَّمه الفريق البرهان وشارك النظام المصري بسلاح طيرانه في تحطيم بناه التحتية، ومنشآته الصناعية، بل، وجهزت نفسها منذ بداية الحرب، بالتنسيق مع شريكها الفريق البرهان، لكي تجني ثمار ذلك التحطيم بأن تكون المقاول الأوحد الذي يتولى مهمة إعادة الإعمار. أليس من الغريب جدًا أن يمنح النظام المصري نفسه حق الانتفاع، حصرًا، من عمليات إعادة إعماره، وبهذه الطريقة السرية الفاسدة المفضوحة؟ فعملية بمثل هذه الضخامة ينبغي أن يجري فتحها للمناقصات الشفافة، ليجري إرساء المناقصات على من يفوز بالمناقصة، وفقًا لأفضل الأسعار، وأفضل المواصفات، وأفضل الخبرات. وكذلك، أكثر الشركات قدرةً على إتمام الإنجاز في الجدول الزمني الموضوع. ويبدو أن محمد أبو عاصي قد أحس بالمفارقة، فانبرى في محاولةٍ ساذجةٍ لإنامة ضميره في كيل المدح للخبرة والكفاءة المصرية وتميُّز الشركات المصرية بالسرعة في الإنجاز، مستشهدًا في ذلك بتجربتها في ليبيا. فهل شركات الجيش المصري أفضل من الشركات الصينية في فنون إعادة الإعمار؟ وهل تملك الشركات المصرية التكنولوجيا والخبرة التي تملكها الشركات الصينية، أو الإيطالية، أو أيٍّ من شركات الدول الأوروبية بصورةٍ عامة؟
العجلة التي اندفعت بها مصر في هذا المشروع تشبه عجلة السارق الذي يريد يحقق ما يريد في الظلام. فالحرب لم تضع أوزارها بعد، وربما لا تضع أوزارها في وقتٍ قريب. ولا يوجد الآن من استتباب الأمن ما يجعل إعادة الإعمار ممكنة. مصر خائفة أن تفلت هذه الغنيمة الضخمة من يدها، فاندفعت في عجلة مريبة نحو هذا الملف، فبدلاً من أن تشغل نفسها بإيجاد حل للصراع الدامي الجاري الآن، الذي يسير في وجهة الاتساع والاشتداد. ما يهم السودانيون في هذه اللحظة هو إيقاف الحرب. لأن ذلك هو الذي سينهي موتهم وتشردهم وجوعهم، وتأتي إعادة الإعمار في المكان الثاني بالنسبة لإيقاف القتال بصورةٍ نهائية. لكن يبدو أن النظام المصري يريد استقرارًا جزئيًا يمكنه من القيام بتنفيذ خطة إعادة الإعمار ليجني من ورائها المليارات في وقت وجيز وينصرف. ولا يخالجني شك أبدًا، أن هذه الخطة، التي عرضها النظام المصري على لسان محمد أبو عاصي، إذا جرى تنفيذها بواسطة النظام المصري حصرًا، فإن تنفيذها سيجري على أسوأ صورة. أي، أنها ستُنفَّذُ بأسعارٍ خرافية وسيكون فيها تلاعبٌ فظيعٌ بالمواصفات. فهي في الأصل لم تقم على أساس شفاف وإنما على صفقة سياسية تجارية بين النظام المصري والفريق البرهان. فما الذي يجعلنا نثق أن تنفيذها سيجري بطريقةٍ شفافة؟ لقد منح بوق المخابرات المصرية محمد أبو عاصي الشركات المصرية التميُّز بالخبرة الأفضل على مستوى العالم. وبناءً عليه، أعطى النظام المصري حق أن يفرض جيشه مقاولاً أوحدًا لتنفيذ هذه العملية الضخمة التي قدر كلفتها بما يزيد عن 100 مليار دولار.
والأعجب من كل ما تقدم، أن محمد أبو عاصي قال، أيضًا، إن عملية إعادة الإعمار ستكون مقابل حصول مصر على الذهب السوداني. بل إن الذهب السوداني سوف تجري تصفيته في مصر، فتأخذ الشركات المصرية منه نصيبها، وتعطي ما تبقى من إيراداته للسودان. بعبارة أخرى، لا يحق للسودان تصفية ذهبه. وقد برر أبو عاصي ذلك بأن الشركات المصرية هي الضامن للسودان. وسبق أن أوردت في الفصل الأخير أيضًا قوله الذي ذكر فيه أن السودان عليه عقوبات دولية، وأن مصر هي منفذه الوحيد للتعامل على النطاق الدولي. وهكذا، وصلت مصر إلى ما ظلت تسعى إليه منذ الحقبة الخديوية، وهو وضع السودان وراء ظهرها وتولِّي شؤونه نيابةً عنه. فالنظام المصري ظل يوصت في المحافل الدولية على تمديد العقوبات على السودان. والغرض من ذلك أن يصبح النظام المصري وكيلًا للسودان في التعامل على المستوى الدولي. وقد أوردت في الفصل السابق، أيضًا خطة النظام المصري الهادفة إلى قتل ميناء بورتسودان وتحويل عمليات التصنيع لكل المنتجات السودانية من أنعام ومنتجات زراعية وغابية وحيوانية ومعدنية إلى مصر. وكذلك أن يجئ إنشاء مسالخ للحوم وصوامع للغلال والعديد من المصانع في مصر لمعالجة المنتجات السودانية بكل صورها. وكذلك جعل الموانئ المصرية منافذ حصرية أو شبه حصرية لشحن الصادر السوداني وتفريغ الوارد السوداني. وكل هذا يجري بموافقةٍ تامةٍ ومباركة من الفريق البرهان الذي يريد كرسيَّ السلطة وخزائن طافحةً بالثروة؛ ولا يهمه أن يصبح رئيسًا في إطار صلاحيات محافظٍ للمحافظة المصرية الثامنة والعشرين التي كان اسمها السودان قبل الابتلاع.
لقد شارك الطيران المصري في هدم البُنى التحتية في العاصمة الخرطوم بصورةٍ متعمدة. فالقصف الجوي لم يقتصر على مواقع قوات الدعم السريع، وإنما استهدف تحت غطاء الهجوم على قوات الدعم السريع البنية التحتية للعاصمة الخرطوم كالجسور، إلى جانب تحطيم المؤسسات الاقتصادية، وخاصة الصناعية. فقد جرى قصف المنطقة الصناعية بمدينة الخرطوم بحري، وجرى قصف مصفاة البترول شمالي الخرطوم. والقصد من كل ذلك هو منع السودان من إضفاء القيمة المضافة على منتجاته لتذهب، من ثم، في صورة مواد خام إلى مصر. وكذلك، جعل السودان سوقًا شبه محتكرة للمنتجات المصرية رديئة الجودة. وهذا جزء مهم جدًا في خطة إلحاق السودان بمصر التي أوضحها بجلاء محمد أبو عاصي. ولقد خدمت هذه التسجيلات، من وجهة نظري، غرضًا مهمًّا، وهو لفت نظر كثيرٍ من السودانيين الذين لم يُلقوا بالًا لما ظللنا نقوله منذ سنواتٍ طويلة عن خطة مصر لابتلاع السودان. ٍفقد ظن كثيرون أننا من معتنقي نظرية المؤامرة. وعمومًا، فإن التنبيه إلى ضرورة ألا نقع في حبائل نظرية المؤامرة فنتخذ منها منهجًا لتفسير كل شيء، لا يعني أنه لا توجد مؤامرات، على الإطلاق. فالسياسة الدولية منذ أن عرف الناس هذا المصطلح، ظلت غارقةً في المؤامرات حتى أذنيها.
ما يكشف شعور مصر بأن هذه الحرب التي خططت لها مع الفريق البرهان قد أتت أكلها وهيأت لها بصورةٍ غير مسبوقةٍ فرصة إلحاق السودان بها، هو هذه الخطة الخبيثة المُسماة “إعادة إعمار السودان”، التي يجري تصويرها وكأنها عمل خيريٍّ من جيرانٍ حادبين، قلوبهم على السودان وأهله. ومنذ انسحاب قوات الدعم السريع من الجزيرة والخرطوم، نشط النظام المصري في خفةٍ ولهفةٍ في الحديث عن خطة إعادة الإعمار. والمدهش حقًا أن الذي يبشر بها هو النظام المصري وليس الفريق البرهان وحكومته اللا شرعية. يروج النظام المصري لهذه الخطة وكأنها خطة مصرية يجري تنفيذها على الأراضي المصرية، وليس في بلد أخرى.
جرَّ النظام المصري في هذه الخطة إلى جانبه بعض الدول الخليجية، ذكر منها محمد أبو عاصي دولة الكويت، وأضاف أن السعودية في طريقها للانضمام. وهذا الاستدعاء للدول الخليجية من جانب النظام المصري، وإركابها معه على سرجه، سببه إيجاد التمويل اللازم للخطة، نظير تحقيق مصالح دول الخليج المتعلقة بأمنها الغذائي والجيواستراتيجي في السودان. فالنظام المصري فيما يبدو وجد ضوءًا أخضر من الفريق البرهان ووزير ماليته لكي ينوب عنهما في منح الآخرين ما يريدون من السودان. وكما ذكر بوق الاستخبارات المصرية محمد أبو عاصي فإن مصر سوف تضع يدها على ذهب السودان لمواجهة كلفة إعادة التدمير المزعومة. فهي خطةٌ من أجل الصالح المصري، أولاً وأخيرًا، وما تسميتها بخطة “إعادة إعمار السودان”، سوى واجهة تضليلية، الغرض الآني منها هو فك ضائقات النظام المصري الاقتصادية والمالية التي لا تنفك تُطبق على عنقه. كما أن الغرض الأكبر والأهم بالنسبة للنظام المصري من هذه الخطة هو تحقيق حلم مصر القديم بإلحاق السودان بمصر. فخطة إعادة الإعمار، بالصورة التي تجري بها الآن، كما عرضناها استنادًا على أقوال محمد أبو عاصي، تمثِّل، في نظري، الفصل الأخير في مخطط إلحاق السودان بمصر، وجعله أشبه ما يكون بمحافظةٍ مصريةٍ إضافيةٍ يجلس على رأسها حاكمٌ تسيِّره مصر لمصلحتها.
ما يحتاج الإعمار في السودان، في هذه اللحظة الفارقة، ليس الأبنية والجسور والطرق والمطارات، وغيرها، وإنما البنية المفهومية للمؤسسة العسكرية السودانية واحتكارها للسلطة، ونهجها الذي قفلت به على مدى سبعين عامًا الطريق على التحول الديمقراطي. هذه البنية هي التي تسببت في هذه الحرب المدمرة، وهي التي لم تجد في نهاية المطاف سبيلاً للبقاء في السلطة سوى الخضوع لمخطط النظام المصري لإلحاق السودان بمصر. ولو بقيت هذه المؤسسة منخرطة في العمل السياسي وفي التحكم في مفاصل الاقتصاد السوداني كما كانت في الستة وثلاثين عامًا الماضبية من حكم الإخوان المسلمين، فلسوف لن تتوقف الحروب في السودان أبدًا. أيضًا، ما يريد الإعمار هو هذا التشظي الواسع جدًّا في القوى السياسية السودانية، الذي جعل العسكر يتلاعبون بها عقب كل ثورةٍ شعبية، مرارًا وتكرارًا.




