رأي

سودان جديد نفسياً : سلسلة: تفكيك مصفوفة الوهم (8)  الحرب النفسية – هندسة الهزيمة: «المرأة والجرح المزدوج».. الانقسام تحت مقصلة الجندر والانتماء! 

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن 

مقدمة: المعركة على جبهتين 

عندما نتحدث عن “هندسة الهزيمة” وقهر “دولة 56″، يتبادر إلى الذهن غالباً صورة الشاب الذي يُعتقل، أو الجندي الذي يموت “سمبلا” في الخندق، أو المزارع الذي تُسرق أرضه، او الراعي الذي يسرق عرقه. لكن هناك ضحية تقف في أعمق نقطة من بئر القهر، ضحية لا تواجه عدواً واحداً، بل تُطحن تحت مقصلة ذات حدين: “تهميش الدولة” من جهة، و”ذكورية المجتمع” من جهة أخرى. 

إنها المرأة السودانية، وتحديداً المرأة في الأطراف ومناطق النزاع في الهامش. 

هذه المرأة تحمل على كتفيها “جرحاً مزدوجاً” (Double Burden). فالرجل المقهور يواجه رصاص المركز وبطشه، أما المرأة فتواجه رصاص المركز، ثم تعود لتواجه قمع “الرجل المقهور” نفسه داخل الخيمة أو القطية! إنها حرب نفسية وجسدية لا تتوقف، تُفرض عليها بشروط لا تملكها، وتُطالب فيها بالصمت من أجل “القضية”.

الحد الأول: جسد المرأة كـ “ساحة معركة” للمركز

لم تكن “دولة 56” تحارب الهامش بالدبابات والطيران فقط، بل استخدمت سلاحاً نفسياً وعسكرياً في غاية الخسة: “استهداف النساء”.

في حروب الإبادة في جنوب السودان وفي دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، لم يكن (الاغتصاب) مجرد “انفلات أمني” من جنود غير منضبطين، بل كان “سلاح حرب ممنهج” (Weapon of War).

الهدف السيكولوجي للمنظومة الظالمة كان تدمير النسيج الاجتماعي للمجتمعات المتمردة. المخابرات والقوات العسكرية تعلم أن المجتمع التقليدي يربط شرفه بـ “جسد المرأة”، لذلك قاموا بانتهاك هذا الجسد لكسر إرادة الرجل، وإذلال القبيلة، وتسميم الذاكرة الجمعية بالعار مدى الحياة.

المرأة هنا لم تُستهدف لشخصها فقط، بل اُستهدفت كـ “وعاء رمزي” لكرامة مجتمعها. لقد حُملت ذنب تمرد أهلها، ودُفعت لدفع الثمن الأغلى جسدياً ونفسياً، لتُترك بعدها تصارع صدمة لا تُشفى في معسكرات النزوح العارية.

و تقف دعاية الجيش الحربية “الخسيسة” ضد امهاتنا و اخواتنا و بناتنا من نساء المجتمعات العربية في دارفور و كردفان شاهدا على هذه الحرب النفسية.

الحد الثاني: طغيان الرفيق.. “ليس الآن وقت حقوقك!”

هنا نصل إلى الجرح الداخلي الأشد مرارة.

كيف يتعامل المجتمع المقهور (وحتى حركات التحرر) مع المرأة التي صمدت معه؟

بدلاً من أن تُتوج كشريكة كاملة في القيادة والقرار، يتم إقصاؤها وتهميشها باسم “فقه الأولويات”.

عندما تطالب المرأة بحقوقها السياسية أو ترفض العنف المنزلي، يبرز لها قادة المجتمع أو حتى رفاق النضال بشعار ابتزازي: “ليس الآن.. نحن نواجه عدواً أكبر (الجلابة/دولة 56)، لا تشتتي صفوفنا بقضايا انصرافية!”.

هذا التأجيل المستمر هو “خيانة نفسية”. يُطلب من المرأة أن تكون “أيقونة” للصمود، وأن تنجب المقاتلين، وأن تطبخ لهم في معسكرات اللجوء، وأن تتحمل شظف العيش، لكن عندما يحين وقت توزيع مقاعد السلطة أو اتخاذ القرارات المصيرية، يُقال لها: “عودي إلى الخلف، السياسة للرجال”.

“إزاحة القهر”: عندما ينتقم المقهور من ضحيته

لماذا يمارس الرجل المقهور في الهامش هذا القمع ضد نسائه؟

يُفسر علم النفس التحرري هذا السلوك بآلية “إزاحة القهر” (Displacement of Oppression). الرجل الذي تُسحق كرامته يومياً في شوارع العاصمة، أو الذي يعجز عن حماية أرضه من طيران الجيش، يشعر بالعجز والشلل التام أمام “السلطة الغاشمة”.

ولكي يستعيد إحساسه الزائف بـ “السيطرة” والرجولة المهددة، فإنه يعود إلى منزله ليُفرغ شحنة القهر في الحلقة الأضعف: (المرأة والأطفال).

إن السلطة الذكورية هنا تصبح “تعويضاً نفسياً” عن فقدان السلطة السياسية والاقتصادية. الرجل يتقمص دور “الجلاد الصغير” داخل بيته، لأنه عاجز عن مواجهة “الجلاد الكبير” في القصر الجمهوري. وبذلك، تصبح المرأة هي “الوعاء” الذي تُصب فيه كل إحباطات وهزائم المجتمع.

الترياق: التحرر لا يقبل التجزئة

لا يمكن بناء “سودان جديد” على أكتاف نساء مكسورات. الثورة التي تسقط ديكتاتورية المركز لتبقي على ديكتاتورية المنزل هي ثورة عرجاء، ومآلها إعادة إنتاج الاستبداد.

الشفاء الجذري يتطلب كسر مقصلة الجرح المزدوج عبر الخطوات التالية:

رفض الابتزاز النضالي: حقوق المرأة وحمايتها ليست “أجندة مؤجلة” لما بعد سقوط دولة 56. التحرر حزمة واحدة؛ من يقمع أخته أو زوجته اليوم بحجة العادات أو الظروف، سيقمع شعبه غداً إذا وصل إلى السلطة.

المرأة في صدارة القرار: لا يكفي تمجيد المرأة كـ “ضحية” أو “أم للشهيد”. يجب انتزاع مقاعد القيادة. المرأة التي أدارت الحياة من العدم في معسكرات النزوح، و تحملت الصعاب، قادرة تماماً على إدارة مؤسسات الدولة ومفاوضات السلام، بعيداً عن “التمثيل الديكوري”.

تفكيك “الرجولة السامة”: يجب أن يدرك الرجل الثائر أن استعادة كرامته لا تمر عبر كسر إرادة نساء مجتمعه. المعركة الحقيقية هي ضد المنظومة التي أفقرت الجميع، والتضامن الإنساني داخل الأسرة والمجتمع هو خط الدفاع الأول ضد الحرب النفسية للدولة العميقة.

إن المرأة السودانية ليست مجرد “خلفية” لمسرح الحرب؛ إنها قلب المجتمع النابض. وإذا لم يُشفَ جرحها، فإن جسد الوطن كله سيبقى ينزف إلى الأبد.

في المقال القادم والأخير من هذه السلسلة، نصل إلى قمة المواجهة: «الشك المُقَدّس».. كيف نكسر الخوارزمية العاطفية للجلاد، ونبني مناعتنا النفسية لنكون “مواطني التأسيس” الحقيقيين للسودان الجديد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!