رأي

11أبريل في السودان٠٠ من لحظة الانتصار إلى سؤال الدولة

جيلان شريف

 

جيلان شريف 

في سياقٍ تتقاطع فيه الذاكرة مع الواقع، لا تُستعاد التواريخ بوصفها أحداثًا منتهية، بل كمفاتيح لفهم ما نحن فيه اليوم. ويمثل 11 أبريل في السودان واحدة من تلك اللحظات المفصلية التي كشفت قوة الإرادة الشعبية، وفي الوقت نفسه عرّت تعقيدات الطريق نحو التغيير الحقيقي.

في مثل هذا اليوم، سطّر الشعب السوداني واحدة من أبرز محطاته التاريخية، حين انتصر بإرادته وأسقط رأس نظامٍ حكم البلاد لثلاثين عامًا، ارتبط في أذهان كثيرين بالقهر والفساد وتدهور الأوضاع العامة. كانت تلك اللحظة إعلانًا صريحًا لقدرة الشعوب على كسر القيود وفرض التغيير.

غير أن سنوات الحكم السابقة لم تكن مجرد حقبة عابرة، بل تركت إرثًا ثقيلًا من السياسات التي أثّرت بعمق على بنية الدولة والمجتمع، وأسهمت في تمزيق النسيج الوطني وتصاعد النزاعات، إلى جانب بروز تشكيلات مسلحة ألقت بظلالها على المشهد الأمني لاحقًا.

ومع سقوط النظام، تعلّقت آمال واسعة ببناء دولة قائمة على الحرية والعدالة، لكن تعقيدات الواقع السياسي وتراكمات الماضي أعاقت الانتقال، لتدخل البلاد في مسار متعثر انتهى إلى أزمات متلاحقة، وصولًا إلى الحرب الحالية وما خلّفته من معاناة إنسانية قاسية.

من هنا، لا تُقرأ ذكرى 11 أبريل باعتبارها مجرد حدث تاريخي، بل كمحطة تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يزال السودانيون يرفضون الحكم العسكري؟

يرتبط هذا الرفض بتجارب تاريخية مؤلمة واعتبارات سياسية وإنسانية عميقة، جعلت قطاعات واسعة ترى أن الحكم المدني هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار. فالحكم العسكري، بطبيعته، يقوم على تركيز السلطة، ما يقوّض أسس الديمقراطية ويحدّ من الحريات ويُغيّب التداول السلمي للسلطة.

كما ارتبطت فتراته بانتهاكات لحقوق الإنسان، شملت قمع الاحتجاجات والاعتقالات واستخدام القوة ضد المدنيين، وهو ما عمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أدى تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتسييسها، مما أعاق بناء نظام قائم على القانون والمساءلة.

وفي إدارة الأزمات، غالبًا ما غلبت المقاربة الأمنية على الحلول السياسية، فتعقّدت النزاعات بدل أن تُحل. وتُظهر التجربة التاريخية في السودان أن الحكم العسكري لم يحقق استقرارًا مستدامًا ولا تنمية متوازنة، بل ارتبط بدورات من الأزمات والانقلابات.

لذلك، يرى كثيرون أن استمرار هيمنة العسكر على السلطة يعرقل أي انتقال ديمقراطي حقيقي، ويُبقي البلاد في دائرة عدم الاستقرار. في المقابل، تتجه تطلعات السودانيين نحو دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمساءلة، والفصل بين السلطات.

تبقى ذكرى 11 أبريل رمزًا لانتصار الإرادة الشعبية، لكنها أيضًا تذكيرٌ بأن إسقاط الأنظمة لا يكفي وحده، ما لم يُستكمل بمشروع وطني يُنهي الحكم العسكري ويؤسس لدولة مدنية عادلة، قادرة على كسر حلقة الأزمات وبناء مستقبلٍ مختلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!