
سمية النور دهب
كلما اشتد الجدل حول دور المؤسسة العسكرية في السودان، يتكرر الحديث عن “الجيش القومي” باعتباره الضامن لوحدة البلاد وحامي حدودها. غير أن قراءة متأنية لتاريخ هذه المؤسسة تكشف صورة أكثر تعقيداً، صورة لا يمكن اختزالها في الشعارات أو الخطابات الرسمية.
فالجيش في السودان نشأ في سياق تاريخي سبق قيام الدولة الوطنية الحديثة نفسها. فقد تشكلت بنيته الأولى في ظل الإدارة الاستعمارية التي كانت تسعى إلى تأمين نفوذها ومصالحها في المنطقة. هذا الإرث التاريخي لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل ترك بصمته على طبيعة المؤسسة العسكرية وعلى علاقتها بالمجتمع والدولة لاحقاً.
ومع استقلال السودان، كان من المتوقع أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى مؤسسة وطنية جامعة تعكس التنوع الاجتماعي والثقافي للبلاد. لكن الواقع أظهر أن هذا التحول لم يكتمل. فقد ظلت مراكز القيادة داخل الجيش مرتبطة في كثير من الأحيان ببيئات جغرافية محددة، الأمر الذي جعل فكرة القومية داخل المؤسسة العسكرية موضع نقاش دائم في الأوساط السياسية والفكرية.
الأكثر إشكالاً أن الجيش لم يظل بعيداً عن الصراع السياسي. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال أصبح لاعباً مباشراً في معادلة السلطة، وتكررت تدخلاته في الحياة السياسية عبر الانقلابات العسكرية التي عطلت المسار الديمقراطي أكثر من مرة.
وقد شهد السودان تجربتين بارزتين في هذا السياق؛ الأولى مع انقلاب عام 1969 الذي جاء في ظل تأثيرات أيديولوجية يسارية، والثانية مع انقلاب عام 1989 الذي ارتبط بصعود الحركة الإسلامية إلى السلطة. وفي الحالتين تحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة في مشروع سياسي، الأمر الذي أضعف حيادها المهني وأدخلها في دائرة الاستقطاب.
كما أن الحروب التي عرفها السودان خلال العقود الماضية كانت في معظمها صراعات داخلية، الأمر الذي جعل الجيش في مواجهة قطاعات من المجتمع في مناطق مختلفة مثل الجنوب سابقاً، ثم دارفور وجبال النوبة. وقد تركت هذه الحروب آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي وعلى صورة المؤسسة العسكرية لدى كثير من السودانيين.
إلى جانب ذلك، توسع حضور الجيش في مجالات الاقتصاد والسياسة بدرجة جعلت الحدود بين الدور العسكري والدور المدني غير واضحة. وفي ظل هذا الواقع، بات من الصعب الحديث عن مؤسسة عسكرية مهنية مكتفية بدورها الدفاعي التقليدي.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتعلق فقط بإنهاء الحرب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسستها العسكرية. فالدول المستقرة لا تبني جيوشها على الولاءات السياسية أو الجغرافية، بل على المهنية والحياد والخضوع لسلطة مدنية منتخبة.
ولهذا فإن مستقبل السودان يتطلب مشروعاً جاداً لإصلاح القطاع العسكري والأمني، بحيث تتحول المؤسسة العسكرية إلى قوة وطنية مهنية تعبر عن جميع السودانيين، وتعمل لحماية الدولة لا للهيمنة على سياستها.




