تقارير وتحقيقات

عدالة على طريق التأسيس: تعيين قيادة القضاء يؤكد مضي حكومة السلام والوحدة نحو بناء دولة المؤسسات

التنوير تقرير خاص إعداد ايمان التجاني 

 

التنوير تقرير خاص إعداد ايمان التجاني 

 

في تطور يحمل دلالات عميقة على مستوى إعادة بناء الدولة السودانية، دخل مسار إصلاح السلطة القضائية مرحلة جديدة، عقب إعلان المجلس العدلي المؤقت اختياره لرئيس القضاء ونائبه، قبل أن يُتوَّج ذلك بقرار رسمي صادر عن رئيس المجلس الرئاسي، الفريق أول محمد حمدان دقلو، باعتماد التعيين بصورة نهائية. ويأتي هذا التطور في سياق أوسع يعكس مضي حكومة السلام والوحدة (تأسيس) نحو تحقيق تطلعات السودانيين في التغيير، عبر استكمال بناء مؤسسات الدولة بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وفي هذا الإطار، برزت نيالا، العاصمة الإدارية لحكومة السلام والوحدة، كمركزٍ لهذا التحول، حيث أعلنت الإدارة القانونية بولاية جنوب دارفور ترحيبها الرسمي بالقرار، معتبرةً أنه يمثل خطوة استراتيجية في اتجاه ترسيخ سيادة حكم القانون واستكمال هياكل الدولة.

مسار مؤسسي يعكس إرادة التأسيس

بدأت ملامح هذا التحول مع إعلان المجلس العدلي المؤقت، استناداً إلى القرار رقم (3) لسنة 2026، اختياره لمولانا إدريس النور شالو كموني رئيساً للقضاء، ومولانا بابكر أبكر آدم عبد النور نائباً له، عقب عملية مراجعة دقيقة وشاملة للسير الذاتية خلال اجتماع رسمي عُقد في 9 أبريل 2026.

وقد استندت هذه العملية إلى معايير صارمة شملت الكفاءة المهنية، والنزاهة، والخبرة القانونية، في خطوة تهدف إلى ترسيخ نموذج جديد في إدارة المؤسسات العدلية يقوم على المهنية والاستحقاق، بعيداً عن الاعتبارات الضيقة التي أثرت على أداء القضاء في فترات سابقة.

ولاحقاً، جاء القرار الجمهوري رقم (4) لسنة 2026 ليُكمل هذا المسار، ويمنح التعيين طابعه الرسمي، في انسجام واضح مع أحكام الدستور الانتقالي لسنة 2025.

ترحيب رسمي من العاصمة الإدارية

أعلنت الإدارة القانونية بولاية جنوب دارفور ترحيبها بالقرار، مؤكدةً أنه يمثل خطوة محورية في استكمال هياكل السلطة وتعزيز مؤسسات العدالة في البلاد.

وأكد رئيس الإدارة القانونية، الدكتور دريج علي إسحق، أن هذه الخطوة تمثل دفعة قوية نحو ترسيخ سيادة حكم القانون، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، مشيراً إلى أن تعيين قيادة قضائية جديدة يعكس جدية الدولة في معالجة الاختلالات المؤسسية التي صاحبت المراحل السابقة.

ويحمل هذا الترحيب دلالات خاصة، باعتباره صادراً من نيالا، التي تمثل المركز الإداري لحكومة السلام والوحدة، ما يعكس توافقاً مؤسسياً حول أولوية إصلاح القضاء.

القضاء في مواجهة إرث التسييس

ظل القضاء في السودان، خلال فترات سابقة، ساحةً للتوظيف السياسي، حيث تشير تقديرات قانونية إلى أن جماعة الإخوان المسلمين عملت على استغلال الخطاب المرتبط بأهمية القضاء لخدمة أهدافها السياسية، خلال سنوات حكمها التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، الأمر الذي أضعف من استقلالية المؤسسة العدلية، وأفقدها جزءاً كبيراً من ثقة المواطنين.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى التعيينات الجديدة باعتبارها محاولة جادة لفك الارتباط بين القضاء والتجاذبات السياسية، وإعادة الاعتبار لمبدأ استقلال السلطة القضائية بوصفه أحد ركائز الدولة الحديثة.

القضاء ركيزة في مشروع الدولة الجديدة

لا يمكن فصل هذا التطور عن المشروع الأوسع الذي تتبناه حكومة السلام والوحدة (تأسيس)، والذي يقوم على إعادة بناء الدولة عبر مؤسسات متكاملة تمثل سلطاتها الثلاث.

فاستكمال تشكيل السلطة القضائية يُعد خطوة ضرورية إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يعزز من توازن السلطات ويضمن عدم تغوّل أي جهة على الأخرى.

وفي هذا الإطار، يمثل القضاء العمود الفقري لأي عملية تحول ديمقراطي، حيث يُناط به حماية الحقوق، وضمان تطبيق القانون، وإدارة النزاعات بشكل عادل، بما يرسخ مفهوم الدولة القائمة على المواطنة المتساوية.

إجماع قانوني وحقوقي على أهمية الخطوة

في سياق متصل، عبّر عدد من القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان عن ترحيبهم بهذه الخطوة، مؤكدين أنها تمثل ركيزة أساسية في بناء دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

وأشار هؤلاء إلى أن وجود قيادة قضائية مستقلة ومؤهلة يمكن أن يسهم في تعزيز مبادئ العدالة، وترسيخ ثقافة المساءلة، وفتح المجال أمام إصلاحات قانونية أوسع، خاصة في ظل الحاجة الملحة لمعالجة آثار النزاع والانتهاكات.

كما شددوا على أن نجاح هذه الخطوة يتطلب توفير بيئة داعمة لاستقلال القضاء، بما يشمل الضمانات القانونية والمؤسسية التي تحميه من أي تدخلات.

استعادة الثقة وبناء العدالة المستدامة

رغم الأهمية الكبيرة للقرار، فإن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة القيادة الجديدة على استعادة ثقة المواطنين في الجهاز القضائي، وهي مهمة تتطلب وقتاً وجهداً وإجراءات ملموسة.

فالثقة تُبنى عبر الممارسة، من خلال أحكام عادلة، وإجراءات شفافة، واستقلال فعلي عن مراكز النفوذ، بما يعكس تحولاً حقيقياً في أداء المؤسسة القضائية.

وفي المحصلة، يمثل تعيين رئيس القضاء ونائبه، وما صاحبه من ترحيب رسمي وإجماع قانوني، خطوة مهمة في مسار طويل نحو بناء دولة القانون، حيث تسعى حكومة السلام والوحدة (تأسيس) إلى ترجمة تطلعات السودانيين في التغيير إلى واقع مؤسسي قائم على العدالة، والتوازن، وسيادة حكم القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!