
نجم الدين دريسة
يمكن تزوير الوقائع لبعض الوقت… لكن لا يمكن خداع الشعوب إلى الأبد
في كل مرة يحاول فيها قائد الجيش السوداني المختطف من جماعة الهوس الديني، عبدالفتاح البرهان، تقديم قراراته الأخيرة على أنها “إصلاحات هيكلية” أو “إجراءات روتينية” تهدف إلى ضخ دماء جديدة داخل المؤسسة العسكرية، تتكشف حقيقة مغايرة تمامًا، أكثر قتامة ووضوحًا، لا تحتاج إلى كثير عناء لفهمها. فالمسألة ليست ترقيات ولا إحالات للتقاعد، بل إعادة ترتيب داخل بيتٍ واحد، بيتٍ ظل لعقود طويلة خاضعًا لهيمنة تنظيم واحد بعينه: الحركة الإسلامية.
إن أخطر ما في هذه القرارات ليس مضمونها الإداري، بل الرسالة التي يحاول البرهان تمريرها من خلالها. فهو، وفي تناقض صارخ مع الواقع، يواصل الادعاء بأن الجيش السوداني “خالي من الإسلامويين”، في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني أن المؤسسة العسكرية قد جرى اختراقها بل وإعادة تشكيلها على أسس أيديولوجية منذ سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع صعود مشروع الحركة الإسلامية داخل الدولة.
هذه ليست مزاعم سياسية، بل حقائق تاريخية موثقة، تحدث عنها قادة من داخل التنظيم نفسه، وعلى رأسهم القيادي الإسلاموي المعروف أمين حسن عمر، الذي أقر بوضوح بانتماء قيادة الجيش إلى التيار الإسلامي، بل وإلى حزب المؤتمر الوطني، الجناح السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان. وعندما تأتي الشهادة من داخل البيت، فإنها تُسقط كل محاولات الإنكار والتجميل.
إن الكلية الحربية، التي يفترض أن تكون مؤسسة قومية لتخريج ضباط يمثلون كل السودان، تحولت على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى مصنع لإنتاج كوادر تدين بالولاء لتنظيم بعينه، لا للوطن. تم تجنيد الضباط، ليس فقط على أساس الكفاءة العسكرية، بل وفق معايير الانتماء الأيديولوجي، ما أدى إلى بناء جيش مؤدلج، يُدار بعقلية حزبية لا وطنية.
وعليه، فإن ما يجري اليوم من إحالات للتقاعد وترقيات لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق. فالإحالات التي طالت عددًا من الضباط، والذين يعرف الجميع انتماءاتهم، لا تعني بأي حال من الأحوال تفكيك النفوذ الإسلاموي داخل الجيش، بل قد تكون جزءًا من إعادة توزيع الأدوار داخل نفس المنظومة، أو حتى عملية تجميلية تهدف إلى تضليل الرأي العام الداخلي والخارجي.
إن البرهان، ومن خلال هذه القرارات، يحاول ذر الرماد في العيون، وإرسال رسائل محددة، ربما إلى أطراف إقليمية ودولية، مفادها أنه بدأ في “تنظيف” المؤسسة العسكرية من نفوذ الإخوان المسلمين. غير أن هذه الرسائل، مهما بلغت درجة إخراجها، لن تنطلي على الشعب السوداني الذي خبر هذه اللعبة مرارًا، ويدرك جيدًا أن التغيير الحقيقي لا يتم عبر قرارات فوقية، بل عبر تفكيك بنية كاملة من السيطرة والتمكين.
بل إن الحديث عن “خطة مرسومة” لإظهار الجيش بمظهر المؤسسة القومية المحايدة، في ظل ارتباطات إقليمية معروفة، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه التحركات: هل هي بالفعل إصلاحات داخلية، أم مجرد استجابة لضغوط خارجية، تُدار بعناية لتقديم صورة جديدة دون تغيير جوهري في الواقع؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الجيش السوداني، بصيغته الحالية، لا يمثل مؤسسة وطنية محايدة، بل يعكس إرثًا طويلًا من التسييس والتأدلج. لقد تم اختطافه لصالح مشروع سياسي محدد، وتحويله إلى أداة لحماية هذا المشروع، بدلًا من أن يكون حارسًا للوطن بكل مكوناته.
إن توصيف هذا الجيش بأنه “جيش السودان” لم يعد دقيقًا، بقدر ما أصبح في نظر كثيرين “جيش الكيزان”، أي الذراع العسكرية لتنظيم سياسي بعينه. وهذا ليس توصيفًا عاطفيًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التمكين والإقصاء، تم خلاله إبعاد كل من لا ينتمي إلى هذا التيار، أو لا يتماشى مع توجهاته.
وما يزيد الأمر خطورة، أن هذه البنية المؤدلجة هي التي تخوض اليوم حربًا مصيرية، ما يعني أن القرار العسكري نفسه لم يعد منفصلًا عن الحسابات السياسية والتنظيمية، بل أصبح جزءًا منها. وهنا يكمن الخطر الأكبر، لأن الجيش الذي يُدار بعقلية حزبية، لا يمكن أن يكون أداة لتحقيق الاستقرار، بل يتحول إلى عامل من عوامل تعميق الأزمة.
إن محاولات البرهان المستمرة لنفي وجود الإسلامويين داخل الجيش، لا تعكس قوة في الموقف، بل ضعفًا واضحًا، لأن النفي المستمر في مواجهة واقع معروف، لا يؤدي إلا إلى فقدان ما تبقى من مصداقية. فالشعوب لا تُقنعها البيانات، بل تقرأ الوقائع، وتبني أحكامها على ما تراه لا ما يُقال لها.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو كل هذه القرارات، بكل ما تحمله من ضجيج، مجرد حركة داخل دائرة مغلقة، لا تمس جوهر الأزمة، ولا تقترب من الحل. فإعادة ترتيب الوجوه داخل نفس المنظومة، لا تعني تغيير المنظومة نفسها.
الخلاصة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا يمكن بناء جيش وطني حقيقي في ظل هيمنة تنظيم أيديولوجي، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون تفكيك جذري لبنية التمكين التي ترسخت لعقود. وما لم يحدث ذلك، ستظل كل هذه الإجراءات مجرد محاولات بائسة لتجميل واقع لا يمكن تجميله.
أما الشعب السوداني، الذي دفع ولا يزال يدفع ثمن هذه السياسات، فهو أكثر وعيًا من أن تنطلي عليه مثل هذه المسرحيات. لقد سقطت الأقنعة، وانكشفت الحقائق، ولم يعد ممكنًا إعادة إنتاج نفس الرواية بوجوه مختلفة.
وبينما تستمر هذه اللعبة، يبقى السؤال معلقًا: إلى متى يستمر اختطاف الجيش باسم الوطن، وهو في الحقيقة يُدار لخدمة مشروع لا علاقة له بالسودان؟




