
نجم الدين دريسة
إذا خافت السلطة من شعبها… بدأت في محوه، لا في خدمته.
ليست الحرب في السودان حادثة عابرة في تاريخ مضطرب، بل هي لحظة انكشاف كبرى لبنية سلطة ظلت، منذ الاستقلال، تدير الدولة بوصفها امتيازًا خاصًا لا عقدًا اجتماعيًا عامًا. إنها حرب تُقرأ في ظاهرها كصراع عسكري، لكنها في عمقها تعبير عن اختلال تاريخي بين سلطة احتكرت كل شيء، وشعوب ظلت خارج معادلة الحكم، تُستدعى عند الحاجة وتُقصى عند القرار.
منذ سبعة عقود، لم تُبنَ الدولة السودانية على أساس المشاركة، بل على منطق السيطرة. نخب محدودة، ورثت أدوات الحكم بعد الاستعمار، أعادت إنتاج ذاتها كحارس للمصالح، لا كخادم للدولة. احتكرت الثروة، واحتكرت القرار، واحتكرت تعريف الوطنية نفسها، بينما تُركت أغلبية الشعب، خاصة في الأطراف، خارج دائرة الفعل السياسي والاقتصادي. هكذا نشأت أوليغارشية مغلقة، تُحسن إدارة النفوذ أكثر مما تُحسن إدارة الدولة.
في هذا السياق، يصبح مفهوم الاستقلال ذاته محل تساؤل. هل كان استقلالًا حقيقيًا للشعوب، أم مجرد انتقال للسلطة من يد المستعمر إلى وكلائه المحليين؟ فالدولة التي لا تعكس إرادة شعبها، ولا توزع مواردها بعدالة، ولا تحمي أطرافها من الإقصاء، تظل مهما رفعت من شعارات السيادة ناقصة الاستقلال، أسيرة لبنيتها المختلة.
ولم تكن هذه البنية بمعزل عن التأثيرات الإقليمية، بل تشابكت معها في علاقات معقدة، حيث ظلت مصالح قوى خارجية تجد طريقها عبر نخب داخلية، تُعيد توظيف الدولة بما يخدم تلك المصالح، حتى بدا السودان، في كثير من اللحظات، كأنه يُدار من خارج حدوده أكثر مما يُدار من داخله.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو العلاقة المختلة بين السلطة والشعب. فحين تتحول السلطة من أداة لخدمة الناس إلى أداة للهيمنة عليهم، تتغير طبيعة الدولة جذريًا. لم تعد السلطة هنا حارسًا للمجتمع، بل أصبحت عبئًا عليه، بل وخصمًا له في بعض الأحيان. وهنا تحديدًا تتجلى العبارة الأكثر قسوة: السلطة تريد إسقاط الشعب.
قد تبدو هذه العبارة صادمة، لكنها تكتسب معناها حين ننظر إلى الواقع. حين تُقصف المناطق المأهولة، حين تُستهدف الأسواق والمستشفيات ومصادر المياه، حين يُعامل المواطن كتهديد لا كصاحب حق، فإننا لا نكون أمام سلطة أخطأت، بل أمام سلطة تعيد تعريف الشعب نفسه بوصفه عبئًا يجب إخضاعه، أو حتى إلغاؤه.
هذه ليست مجرد ممارسات معزولة، بل تعبير عن عقلية ترى في التمرد على المركز جريمة تستحق العقاب الجماعي، وترى في المطالبة بالحقوق خروجًا على النظام، وترى في الهامش خطرًا يجب كسره لا شريكًا يجب إنصافه. هكذا تتحول الدولة إلى أداة عكسية: بدل أن ترفع شعوبها، تسعى لإسقاطهم؛ بدل أن تحميهم، تعيد إنتاج هشاشتهم.
وفي قلب هذه المعادلة، يُعاد توظيف الهامش ذاته في حروب لا يملك قرارها. أبناء المناطق المهمشة، الذين حُرموا من التنمية والتمثيل، يجدون أنفسهم مرة أخرى وقودًا لصراع يُدار من المركز، بينما تبقى نتائج الحرب – دمارًا ونزوحًا وفقدًا – عبئًا إضافيًا عليهم. إنها دائرة مغلقة من الاستغلال، حيث يُستخدم الإنسان ضد نفسه، ويُستنزف في معارك لا تعالج جذور أزمته.
لهذا، فإن الخطاب الذي يكتفي بشعار “لا للحرب” دون تفكيك بنيتها، يبدو قاصرًا عن ملامسة جوهر المشكلة. فالحرب ليست مجرد فعل يجب إيقافه، بل نتيجة يجب فهمها. لا يمكن بناء سلام حقيقي دون مواجهة السؤال الأصعب: كيف وصلت الدولة إلى مرحلة تُخيف فيها شعوبها أكثر مما تحميهم؟
السلام، في معناه العميق، ليس هدنة مؤقتة، بل إعادة تأسيس كاملة للعلاقة بين السلطة والشعب. أن تتحول السلطة من مالك للدولة إلى خادم لها، ومن محتكر للقرار إلى شريك فيه، ومن مصدر للخوف إلى ضمان للأمان. دون هذا التحول، ستظل الحروب تتكرر، بأسماء مختلفة ووجوه جديدة، لكن بجذر واحد لا يتغير.
إن أخطر ما في الأزمة السودانية اليوم ليس استمرار الحرب فحسب، بل احتمال أن تُصبح هذه الحالة طبيعية، وأن يُعاد تعريف الدولة على هذا الأساس المختل. وحينها، لا يكون السؤال: متى تنتهي الحرب؟ بل: هل ما زالت هناك دولة تستحق أن تنتهي الحرب من أجلها.
في السودان، المعركة الحقيقية لم تعد فقط بين جيوش…
بل بين سلطة تخشى شعبها، وشعب يحاول أن يستعيد وطنه.




