رأي

15 أبريل!صبيحة الغدر

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

ليس كل تاريخٍ يُروى،بعض التواريخ تُنزف.

يأتي الخامس عشر من أبريل، لا ذكرى عابرة في رزنامة الأيام، بل علامة فاصلة بين زمنين: زمن الوهم، وزمن الحقيقة العارية. 

في ذلك الصباح، لم تندلع حربٌ فحسب، بل إنكشفت خيانةٌ مكتملة الأركان، خيانة لم تستهدف قوة عسكرية بعينها، بل إستهدفت إرادة شعبٍ بأكمله، وسعت لكسر روحه قبل أن تكسر سلاحه.

كانت “صبيحة الغدر” لحظة إختبارٍ قاسٍ: من يقف مع العهد، ومن يطعن فيه من الخلف،في تلك الساعات الأولى، لم يكن المشهد متكافئاً. 

طرفٌ كان في الميدان بثبات العقيدة، وآخر لجأ منذ اللحظة الأولى إلى أدوات الغدر: القصف، المفاجأة، وتدمير ما لا يمكن مواجهته وجهاً لوجه. 

لم تكن المعركة شريفة، ولم تُخض بقواعد الجيوش، بل بمنطق الإفناء السريع، وكأن المطلوب لم يكن الحسم العسكري، بل كسر الإرادة،لكن ما لم يحسبه صُنّاع الغدر، أن الإرادة لا تُقصف.

في “المدينة الرياضية”، لم يكن الشهيد اللواء مضوي حسين ضي النور مجرد قائدٍ في موقعٍ عسكري، بل كان صورةً مكثفة لمعنى الثبات حين تُحاصر الخيانة،صمد حيث كان المطلوب أن ينهار، ووقف حيث كان يُراد له أن يسقط،وبعد أن عجزوا عن مواجهته، لجأوا إلى الطيران، لا لأنهم أقوى، بل لأنهم أضعف من المواجهة المباشرة،هنا تتضح المفارقة الكبرى: عندما يخاف من يملك السلاح،ويثبت من يملك القضية.

في مروي، لم تكن المعركة مجرد سيطرة على موقع إستراتيجي، بل إعلان مبكر أن الغدر لا يصنع نصراً،فعندما قاد حامد محمد زين (أبو مناسك) رجاله، لم يكن يتحرك فقط لإستعادة أرض، بل لإستعادة معنى: أن من يقاتل دفاعاً عن عهدٍ، لا يُهزم بسهولة.

ذلك اليوم لم يكن يوماً واحداً، بل بداية لسلسلة طويلة من التضحيات،أسماءٌ كثيرة مرت في سرد الألم: الشهيد تيراب و رفاقه الميامين ، علي يعقوب، موسى عبودة، حسن دود، شيريا، أحمد خليل، فضل الناقي، عميرو الحمري، جلحة، وماكن الصادق…….الخ.

لم يكونوا مجرد أسماء في قائمة، بل كانوا شواهد على أن الدم الذي سُفك لم يكن صدفة، بل ثمناً لموقف،وفي المحاور المختلفة، لم تكن المعارك مجرد تقدمٍ وتراجع، بل كانت إختباراً مستمراً للثبات، من عبدالرحيم رزق الله إلى محمد صالح (أنقولو)، ومن الأمين الصايم إلى أولئك الشباب الذين لم تُكتب أسماؤهم بعد في دفاتر التاريخ، لكنهم كتبوا حضورهم بدمائهم،جميعهم كانوا جزءاً من معادلة واحدة: أن الطريق الذي يبدأ بالعهد، لا ينتهي بالخيانة.

ربما هنا تكمن الحقيقة الأكثر إيلاماً:أن من أشعلوا الحرب، لم يصمدوا فيها،و من راهنوا على الحسم السريع، إنسحبوا من المواجهة المباشرة، وتركوا خلفهم حرباً مفتوحة، وبلاداً تنزف، وشعباً يدفع الثمن-(البرهان و عصابته اختفوا تماما ،ثم هربوا لبورتسودان)- وكأن الغدر لم يكن فقط في بداية الحرب، بل في إدارتها أيضاً: إشعالها ثم التراجع عنها، وتركها تأكل كل شيء،رغم ذلك، لم ينكسر العهد.

اليوم، بعد كل ما جرى، لا يبدو الخامس عشر من أبريل مجرد ذكرى، بل مرآة يرى فيها كل طرفٍ نفسه: هل كان جزءاً من الغدر؟ أم جزءاً من الصمود؟أما الذين رحلوا، فلا يحتاجون إلى تبرير،لقد حسموا موقعهم منذ اللحظة الأولى.

يبقى السؤال معلقاً على أعناق الأحياء: ماذا سنفعل بهذا الإرث؟هل نتركه يتحول إلى مجرد خطابٍ يُلقى في المناسبات؟ أم نجعله معياراً نقيس به مواقفنا، وخطاً فاصلاً بين من يثبت ومن يساوم؟إن العهد الذي كُتب بالدم، لا يُمحى بالكلمات.

في ذكرى “صبيحة الغدر”، لا يكون الوفاء بالبكاء على الشهداء، بل بالثبات على ما ماتوا من أجله،لا بالشعارات، بل بالمواقف،لا بالحنين، بل بالإستمرار في النضال بعزم.

التاريخ لا يرحم المترددين،ولا يخلّد إلا أولئك الذين، حين خُيّروا بين الغدر والثبات، إختاروا أن يدفعوا الثمن كاملاً.

المجد لمن ثبتوا،والعار لمن غدروا،والعهد، ما زال قائماً:لا يُلين.

ولنا عودة بإذن الله

الأربعاء،١٥أبريل/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!