
علي سانتينو
إذا كان عبد الفتاح البرهان يظن أن هناك أحداً يصدّق مسرحية إنه قائد عام الجيش فهو واهم. فقد اتضح أن الرجل لم يعد سوى واجهة كرتونية للتيارات الاسلاموية التي أشعلت الحرب وتتحكم اليوم في استمرارها، بينما البرهان يهرول بين إسطنبول والدوحة والقاهرة كمن يبحث عن وصيّ جديد!
قائد الجيش، الذي يُفترض أنه أعلى سلطة عسكرية في البلاد، لا يستطيع توقيع هدنة واحدة دون أن يرفع سماعة الهاتف لعلي كرتي ومن خلفه شبكات الإخوان المسلمين المتغلغلة في الجيش والأمن. أي قائد هذا الذي يحتاج إلى إذن من تنظيم أيديولوجي ليوقف نزيف الدم، وأي جيش الذي تحكمه جماعة سياسية هزمها الـ شعبياً فأعادت إنتاج نفسها عبر فوهة البندقية؟
لكن تحت ضغط الولايات المتحدة والسعودية وُضع البرهان أمام خيار واضح هدنة حقيقية ومسار سياسي ينهي الحرب، أو انكشاف كامل لحقيقته. لكنه اختار كالعادة طريق المراوغة، حيث لم يجرؤ على الإعتراف بأن مفاصل الجيش مخطوفة وان الـ قراره ليس بيده. بدلاً من ذلك مارس هوايته المفضلة الهروب، مرة باسم مشاورات. ومرة باسم ترتيبات والنتيجة واحدة حرب مستمرة وكذبة أكبر!
وحين تراجع الدور المصري ودخلت السعودية بثقلها سقط القناع سريعاً. فالبرهان لم يصمد ولم يدافع عن سيادة القرار الوطني التي يتغنى به، لكنه هرول إلى إسطنبول ليستجدي دعماً من تركيا، الدولة الاستعمارية التي تحتضن أجنحة الإخوان المسلمين الهاربة. وهناك لم يكن اللقاء الأهم مع أردوغان، بل مع بقايا النظام الإسلاموي، مجموعة نافع علي نافع، وعلي كرتي ومن لفّ لفّهم، أولئك الذين يديرون الحرب من الخارج ويحرّكون البرهان من الداخل!
ثم تأتي الدوحة المحطة المتوقعة في رحلة الارتهان. دعم مالي وتسليح ومرتزقة وطائرات مسيّرة، حيث كل شيء مباح ما عدا السلام. فالبرهان لا يبحث عن إنهاء الحرب لأنه يعرف أن نهايتها تعني نهايته السياسية، وتعني كشف تحالفه العضوي مع العصابة التي دمّرت السودان ثلاثين عاماً وتعود مجدداً لتدميره مرة أخرى. ان السخرية المؤلمة أن البرهان يقدّم نفسه للمجتمع الدولي كصاحب قرار، بينما الواقع يقول إن علي كرتي هو من يوقّع، والحركة الإسلامية هي من تقرر، والبرهان يقرأ البيان الأخير. ان قائد جيش لا يستطيع وقف الحرب ولا يستطيع توقيع هدنة، ولا يستطيع حتى الاعتراف بعجزه، لكنه يستطيع السفر والتسوّل وبيع الوهم!
ما يقوم به البرهان من أدوار ليست قيادة، هذا انهيار كامل لمعنى الدولة. خاصة عندما يصبح القائد أسيراً للإسلاميين ومتواطئ مع معهم وهو الغطاء العسكري لمشروعهم، وهم الوقود السياسي لحربهم. وأي حديث عن سلام دون كسر هذه العلاقة السامة هو مضيعة للوقت!
ان الحقيقة التي يحاول البرهان دفنها واضحة كالشمس، فالحرب ليست قدراً، بل قراراً اتخذته الحركة الإسلامية وينفّذه قائد ضعيف فقد قراره المهني، وارتمى طوعاً في حضن من أشعلوا النار ثم تظاهر بأنه يحاول إطفاءها.




