البرهان بين نار الإسلاميين وضغوط الخليج… سلطة معلّقة وسؤال الثقة المفتوح
التنوير ترجمة غير رسمية Modern Diplomacy


التنوير ترجمة غير رسمية Modern Diplomacy
حاكم بلا يقين… وتحالفات تهتز
في مشهدٍ إقليمي متغير تتسارع فيه الحسابات الأمنية والسياسية، يجد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان نفسه في قلب مأزق معقد، تتداخل فيه تداعيات الحرب الإقليمية مع هشاشة التحالفات الداخلية، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة السلطة في السودان: من يحكم فعلياً، ولصالح من؟
أزمة الثقة قبل السلاح
تشير تقارير وتحليلات دبلوماسية حديثة إلى أن أزمة البرهان لم تعد مرتبطة فقط بقدراته العسكرية أو موقعه في ساحة المعركة، بل أصبحت أزمة ثقة متصاعدة مع شركائه الإقليميين، خاصة في الخليج. فتعثر صفقات عسكرية كبرى من بينها مشروع توريد أسلحة متطور بالتعاون مع باكستان وبدعم سعودي يعكس تراجعاً في مستوى الاطمئنان السياسي تجاه القيادة السودانية.
وتتزامن هذه التعقيدات مع تحولات إقليمية أوسع، أبرزها إعادة ترتيب أولويات التسلح بسبب التوترات المرتبطة بإيران، ما جعل السودان يدخل سباقاً صعباً للحصول على الإمدادات في سوق مزدحم ومشحون سياسياً.
الإسلاميون… حلف الضرورة ومصدر القلق
في قلب هذه الأزمة، يبرز العامل الأكثر حساسية: علاقة البرهان المعقدة مع التيارات الإسلامية داخل السودان. فهذه القوى، التي تشكل ركيزة أساسية في دعمه خلال الحرب، أصبحت في الوقت نفسه عبئاً سياسياً يهدد علاقاته الخارجية.
تدرك العواصم الخليجية والغربية أن أي تسوية مستقبلية في السودان لا يمكن أن تقوم دون تقليص نفوذ الإسلاميين داخل الجيش ومؤسسات الدولة. غير أن الواقع على الأرض يكشف عكس ذلك؛ إذ لا يزال الجيش يعتمد بدرجة كبيرة على كوادر مرتبطة بالنظام السابق وشبكات أيديولوجية توفر له التعبئة والقدرة القتالية.
هذا التناقض جعل البرهان عالقاً بين خيارين أحلاهما مر: إما التخلي عن حلفائه الداخليين والمخاطرة بفقدان تماسك جبهته، أو التمسك بهم وخسارة الدعم الخارجي الحيوي.
توازن هش… وسياسة إشارات متناقضة
في محاولة لإدارة هذا التناقض، انتهج البرهان ما يمكن وصفه بـ”سياسة الإشارات المزدوجة”. فمن جهة، نفّذ إجراءات محدودة ضد بعض الشخصيات الإسلامية، وقدّمها كدليل على حسن النية للمجتمع الدولي. ومن جهة أخرى، حافظ على خطاب متشدد يرفض التسويات السياسية العميقة، ما يطمئن قاعدته الداخلية.
لكن هذا التوازن يبدو هشاً. فمع استمرار الحرب، تعاظم نفوذ الإسلاميين بدلاً من تراجعه، مستفيدين من حاجة الجيش إلى الدعم البشري والأيديولوجي. وفي المقابل، تتزايد شكوك الشركاء الدوليين الذين يرون في هذا المسار خطراً استراتيجياً على استقرار المنطقة.
معادلة مستحيلة… وسؤال بلا إجابة
تخشى القوى الإقليمية، لا سيما في الخليج ومصر، من أن يتحول السودان – تحت ضغط الحرب واعتماد السلطة على الإسلاميين – إلى منصة نفوذ غير مباشر لقوى إقليمية مثل إيران. هذا القلق لا يتعلق فقط بالحاضر، بل بما قد تؤول إليه موازين القوة داخل الدولة السودانية مستقبلاً.
وهنا تتجلى المعضلة الأساسية: القوى التي تُبقي البرهان في موقعه اليوم هي ذاتها التي تمنع قبوله كشريك موثوق في الغد. وبين هذا وذاك، تتعطل الصفقات، وتتردد المبادرات، وتظل التسويات رهينة شكوك متبادلة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بلا إجابة واضحة: هل يستطيع البرهان إعادة تشكيل تحالفاته وبناء سلطة قائمة على الثقة، أم أن توازناته الحالية ستقوده إلى عزلة أعمق؟
حتى ذلك الحين، سيظل مستقبل السودان معلقاً على خيط رفيع، تتجاذبه حسابات الداخل وضغوط الخارج… فيما يبقى السؤال الأكبر معلقاً: لصالح من يُحكم السودان اليوم؟




