
الدكتورة اخلاص قرنق كاتبة وباحثة حقوقية
حيدر آباد الهند
تمرّ الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب في السودان، فيما لا تزال البلاد غارقة في واحدة من أكثر الأزمات دموية وتعقيدًا في تاريخها الحديث. أربع سنوات من القتل والنزوح والانهيار المؤسسي، خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا، وملايين المشردين، وواقعًا إنسانيًا بالغ القسوة.
هذه الحرب لم تنشأ في فراغ، ولم تكن مجرد صراع عابر بين أطراف مسلحة، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية عميقة، وفشل مستمر في إدارة المرحلة الانتقالية، وصراع محتدم على السلطة والنفوذ. ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لا ينبغي أن يحجب سؤالًا جوهريًا: من المسؤول عن إشعال هذه الحرب واستمرارها؟
ثمة اتهامات واسعة تشير إلى دور قوى من النظام السابق، وعلى رأسها تيارات مرتبطة بالحركة الإسلامية، في تأجيج الصراع واستثماره سياسيًا، سعيًا لإعادة تشكيل المشهد بما يخدم عودتها إلى السلطة. وفي المقابل، تتحمل أطراف الصراع العسكري مسؤولية مباشرة عن الانزلاق إلى المواجهة المسلحة، وعن الانتهاكات الجسيمة التي طالت المدنيين والبنية التحتية.
لقد تحولت مناطق واسعة من السودان إلى ساحات مفتوحة للعنف، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر. القتل خارج القانون، النزوح القسري، وتدمير الخدمات الأساسية، كلها مشاهد باتت جزءًا من الحياة اليومية. ولا يمكن توصيف ذلك إلا كفشل جماعي في حماية الدولة والمجتمع.
إن اختزال هذه الحرب في رواية واحدة يُفقدها تعقيدها، لكن في الوقت ذاته، فإن تمييع المسؤولية يُسهم في إطالة أمدها. فالمحاسبة لا تعني توجيه الاتهام جزافًا، بل تستند إلى تحقيقات شفافة، وعدالة مستقلة، وإرادة سياسية حقيقية لكشف الحقيقة.
بعد أربع سنوات، لا يزال السودان في حاجة إلى أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار. هو بحاجة إلى مشروع وطني يعيد تعريف الدولة على أسس جديدة، ويُخرجها من دائرة الصراعات الصفرية. كما أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية، ليس فقط في الإغاثة، بل في دعم مسارات العدالة والمساءلة.
إن إحياء هذه الذكرى يجب ألا يكون مناسبة لاستعادة الألم فحسب، بل فرصة لطرح الأسئلة الصعبة: كيف بدأت هذه الحرب؟ ومن استفاد منها؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرارها؟
بدون إجابات واضحة، وبدون محاسبة حقيقية، ستظل هذه الحرب جرحًا مفتوحًا في جسد الوطن، ودرسًا قاسيًا لم يُستفد منه بعد.




