
سامر مكين
هذا المقال يسلط الضوء على جانب مظلم من الصراع في السودان، حيث يدفع المواطن البسيط ثمن صراعات السلطة والأيديولوجيا من دمه ومأواه….
تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تصاعداً خطيراً في الانتهاكات الموجهة ضد المدنيين العزل. وفي ظل الفوضى العارمة، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل في استغلال السلطات الحكومية والكتائب الإسلامية المسلحة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين،”الكيزان” لأجواء الحرب لتنفيذ حملات واسعة النطاق لهدم وإزالة منازل المواطنين في عدة مناطق استراتيجية. هذه العمليات، التي تُنفذ تحت ذرائع “إزالة السكن العشوائي” أو “تطهير المناطق”، تكشف عن أجندات سياسية وديموغرافية عميقة تهدف إلى معاقبة فئات مجتمعية معينة وتغيير التركيبة السكانية في العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة .
تُعد عمليات الهدم والإزالة التي تنفذها السلطات الحكومية، مدعومة بالكتائب الإسلامية مثل “كتيبة البراء بن مالك”، امتداداً لسياسات التهميش والإقصاء.
وقد تركزت هذه العمليات في مناطق محددة تقطنها غالبيات من النازحين والعمال والفئات الأقل دخلاً والأكثر تهميشا ، مما يعكس استهدافاً ممنهجاً لهذه المكونات الاجتماعية.
ففي جنوب الخرطوم (مايو وجنوب الحزام) شهدت أحياء مانديلا، كبوش، وقلب الأسد في ضاحية مايو حملات إزالة واسعة نفذها “جهاز حماية الأراضي” التابع لولاية الخرطوم. تم وضع علامات إزالة على جدران المنازل في أحياء مايو، الإنقاذ، الأزهري، وعد حسين، مما أدى إلى تشريد آلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم يفترشون العراء دون توفير أي بدائل سكنية.
وفي الخرطوم بحري (الكدرو والحلفايا) شهدت منطقة الكدرو (جوار السكة الحديد)، تم هدم عدد كبير من المنازل بحجة “البناء العشوائي”، على الرغم من أن العديد من هذه المنازل كانت مبنية بالمواد الثابتة (مسلحة) وأصحابها يمتلكون إيصالات دفع الرسوم الرسمية. وقد رافقت هذه العمليات اتهامات لكتيبة “البراء بن مالك” والخلية الأمنية بممارسة الترهيب ضد السكان. وفي شرق النيل وتحديدا منطقة (الحاج يوسف) نفذت السلطات حملات إزالة في مربعات الحاج يوسف، وترافقت هذه الحملات مع عمليات تفتيش ونهب للممتلكات نفذتها الكتائب الإسلامية تحت ذريعة “تطهير المنازل من المليشيات المتمردة”، مما أدى إلى تدمير ممتلكات المواطنين وترويعهم. وفي منطقة جبل أولياء تعرضت المنطقة لعمليات عسكرية وأمنية مشددة، حيث تم فرض طوق أمني وتنفيذ حملات إزالة وتفتيش أدت إلى تضرر العديد من المساكن والممتلكات الخاصة بالمواطنين في ظل غياب تام للرقابة القانونية. وفي ولاية الجزيرة أطلقت السلطات حملات لإزالة ما أسمته “السكن العشوائي”، شملت أحياء الزمالك، فريق شوك. وقد أسفرت هذه الحملات عن إزالة مئات المنازل التي يقطنها عمال “مشروع الجزيرة” التاريخي، مما أثار غضباً واسعاً واتهامات للسلطات باستغلال ظروف الحرب لتصفية حسابات قديمة.
لم تقتصر عمليات الهدم على الأجهزة الحكومية الرسمية، بل لعبت الكتائب الإسلامية المسلحة، التي تقاتل جنباً إلى جنب مع الجيش السوداني، دوراً محورياً في هذه الانتهاكات. وتبرز “كتيبة البراء بن مالك” كأحد أبرز الأذرع العسكرية لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان. وقد تم توثيق تورط عناصر هذه الكتيبة في عمليات ترهيب للمواطنين، والمشاركة في هدم المنازل، وتنفيذ إعدامات ميدانية واعتقالات تعسفية في المناطق التي يتم استعادتها، كما حدث في حي الحلفايا بالخرطوم بحري.
إن تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية لـ”كتيبة البراء بن مالك” ككيان إرهابي في مارس 2026، يسلط الضوء على خطورة الدور الذي تلعبه هذه المجموعات العقائدية في تأجيج الصراع وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وتستخدم هذه الكتائب نفوذها العسكري لفرض سيطرتها على الأرض، مستغلة غطاء الجيش لتنفيذ أجندات التنظيم الإسلامي في تصفية الخصوم السياسيين والاجتماعيين.
لا يمكن فصل عمليات هدم المنازل عن السياق السياسي الأوسع في السودان. يرى العديد من المراقبين والناشطين الحقوقيين أن هذه العمليات تمثل “حرباً ديموغرافية” حيث تستهدف حملات الإزالة بشكل رئيسي المناطق التي يقطنها نازحون من أقاليم دارفور، كردفان، وجبال النوبة (مثل مناطق جنوب الحزام ومايو). وتهدف هذه السياسة إلى إبعاد هذه المكونات عن العاصمة الخرطوم، في تكرار لسياسات التهميش التي مارسها نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.
وتُستخدم عمليات الهدم كأداة لعقاب المجتمعات التي يُشتبه في تعاطفها أو انتمائها العرقي لقوات الدعم السريع، أو تلك التي ترفض الانصياع لإملاءات الكتائب الإسلامية.
وايضا الاستحواذ على الأراضي في ولاية الجزيرة ومناطق أخرى، تُتهم السلطات باستغلال حالة الفوضى للاستيلاء على الأراضي ذات القيمة العالية وإعادة توزيعها على الموالين للتنظيم الإسلامي أو استثمارها لصالح قيادات نافذة.
تُنفذ عمليات الهدم في ظل غياب تام لسيادة القانون وانهيار المؤسسات القضائية. وتُمنح الأسر مهل زمنية قصيرة جداً (أحياناً لا تتجاوز 72 ساعة) لإخلاء منازلهم التي بنوها بشق الأنفس على مدى عقود. والنتيجة هي تشريد آلاف الأسر، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، ليجدوا أنفسهم بلا مأوى في ظل ظروف إنسانية قاهرة، حيث تنعدم الخدمات الأساسية وتنتشر الأمراض وتتفاقم أزمة الجوع.
إن صمت المجتمع الدولي وتجاهل القيادة العسكرية لهذه الانتهاكات يشجع الكتائب الإسلامية والأجهزة الحكومية الموالية لها على التمادي في جرائمها. إن هدم منازل المواطنين العزل ليس مجرد “إزالة لمخالفات إدارية”، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان، تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً ومحاسبة كل المتورطين فيها، سواء كانوا من القيادات الحكومية أو قادة المليشيات العقائدية.




