رأي

الخليج العربي بين نار المواجهة الكبرى: من يدفع ثمن صراع لا يملكه؟

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في لحظات الأزمات الكبرى، تتحول الجغرافيا من ميزة استراتيجية إلى عبء ثقيل. وهذا هو حال منطقة الخليج العربي اليوم منطقة تقف عند تقاطع مصالح دولية وإقليمية متعارضة حيث تتداخل حسابات القوة الأمريكية والطموحات الإسرائيلية ومخاوف إيران الأمنية بينما تبقى شعوب المنطقة أمام سؤال مصيري هل سيكون الخليج ساحة مواجهة أم مساحة سلام؟

إن أي حرب واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لن تبقى محصورة بين أطرافها المباشرة. فدول الخليج بحكم موقعها وعلاقاتها الدولية وأهميتها في الاقتصاد العالمي تجد نفسها في دائرة التأثير المباشر لأي تصعيد. فالموانئ والمنشآت النفطية والممرات البحرية والقواعد العسكرية كلها عناصر تجعل المنطقة جزءًا من الحسابات الاستراتيجية لأي طرف يسعى إلى الضغط أو الردع.

الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والدعم الأمريكي لإسرائيل يمثلان تهديدًا لأمنها القومي ولذلك بنت طهران خلال السنوات الماضية استراتيجية تقوم على توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز أدوات الردع لديها. أما دول الخليج فتجد نفسها أمام تحدٍ دقيق كيف تحافظ على شراكاتها الأمنية وفي الوقت ذاته تمنع أن تتحول أراضيها إلى ساحة صراع بين قوى أكبر منها؟

المشكلة الأساسية أن الشعوب هي التي تتحمل نتائج القرارات التي تُتخذ في غرف السياسة. فالمواطن لا ينظر إلى الخلافات الدولية من زاوية النفوذ والمصالح، بل من زاوية أمن أسرته واستقرار وطنه ومستقبل أبنائه. إن أي مواجهة عسكرية في الخليج لن تكون مجرد حدث سياسي عابر بل قد تحمل آثارًا اقتصادية وإنسانية عميقة تمتد لسنوات.

أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم على منطق القوة وحده. فسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وحماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي، ليست شعارات سياسية، بل التزامات قانونية يجب أن تحكم سلوك الدول في أوقات السلم والحرب. كما أن استخدام أراضي الدول أو أجوائها كمنطلقات لصراعات إقليمية يهدد مبدأ الأمن الجماعي الذي يقوم عليه النظام الدولي.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم أمن الخليج. فالأمن لا يعني فقط امتلاك الأسلحة أو توقيع الاتفاقيات العسكرية بل يعني أيضًا بناء علاقات مستقرة بين دول الجوار وفتح قنوات الحوار وإنشاء آليات إقليمية تمنع سوء التقدير والانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد.

إن الخليج العربي ليس ملكًا للقوى الكبرى وليس ورقة في صراعات الآخرين. إنه موطن شعوب لها الحق في الحياة الآمنة والتنمية والازدهار. ومن الخطأ أن يُختزل مستقبل هذه المنطقة في حسابات الردع والمواجهة فقط لأن التاريخ يثبت أن الحروب تبدأ بقرارات سياسية لكنها تنتهي دائمًا بتكاليف إنسانية يدفعها الأبرياء.

المطلوب اليوم ليس انتصار طرف على طرف بل انتصار العقل السياسي على منطق التصعيد. فسلام الخليج ليس قضية إقليمية فحسب، بل مسؤولية دولية، لأن استقرار هذه المنطقة يعني استقرار جزء أساسي من الاقتصاد والأمن العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!