رأي

الإعلام … من هيمنة النخب  إلى أفق التأسيس 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

إذا فسد ميزان الكلمة اختل ميزان الوطن، وإذا استقام الإعلام استقام كثير من أمر الدولة

       ليس من المبالغة القول إن أزمة السودان، في جوهرٍ عميق منها، هي أيضاً أزمة إعلام. فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا تنهار بالحروب وحدها، بل تتماسك أو تتشظى كذلك بما يُصنع في المجال العام من أفكار وصور وسرديات. والإعلام، بوصفه أداة تشكيل الوعي الجمعي، كان طوال العقود الماضية أحد أكثر الميادين التي انعكست عليها اختلالات الدولة السودانية، كما كان في الوقت نفسه أحد الأدوات التي استخدمت لتكريس تلك الاختلالات وإدامتها.

فعلى امتداد ما يزيد على سبعين عاماً، لم ينجح السودان في تأسيس إعلام وطني جامع يعكس تعدده الهائل، ولا في بناء مؤسسات إعلامية مستقلة تعبّر عن المجتمع كله. والسبب في ذلك أن الدولة نفسها لم تُصمم على قاعدة المواطنة المتساوية، بل نشأت داخل بنية نخبوية ضيقة، أوليغارشية في جوهرها، احتكرت السلطة والثروة والقرار، ثم مضت لتحتكر الرمزية الوطنية أيضاً، بما في ذلك أجهزة الإعلام ومنابر التعبير وصناعة الرأي العام.

ومن هنا، لم يكن الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي في كثير من المراحل مرآةً للسودان الحقيقي، بل مرآةً لمركز سياسي واجتماعي وثقافي محدد. ظهر السودان في الشاشات والإذاعات والصحف كما أرادته النخب المهيمنة، لا كما هو في واقعه المتنوع. غابت أصوات الأطراف، وتضاءلت روايات المجتمعات المهمشة، وتم اختزال الوطن الواسع في صورة ضيقة لا تتسع لتاريخه المركب ولا لتعدده الإثني والثقافي واللغوي.

لقد عانت مناطق واسعة من البلاد من التهميش التنموي والسياسي، لكن ذلك التهميش لم يكن منفصلاً عن تهميش إعلامي قاسٍ. فكم من أزمة إنسانية لم تجد طريقها إلى النشرات؟ وكم من ثقافة محلية جرى التعامل معها بوصفها هامشاً لا أصلاً من أصول الهوية الوطنية؟ وكم من مواطن سوداني عاش عقوداً وهو لا يرى نفسه ممثلاً في صورة الوطن المتداولة إعلامياً؟ إن الإقصاء يبدأ أحياناً من الخريطة، لكنه يترسخ حين يصبح إقصاءً من الرواية الوطنية ذاتها.

ولذلك، فإن الحديث عن تأسيس دولة جديدة قائمة على المواطنة والعدالة لا يستقيم ما لم يصاحبه مشروع جذري لإصلاح الإعلام. فالإعلام ليس قطاعاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد التسويات السياسية، بل هو جزء من صميم التحول الوطني. لأن الدولة التي تريد بناء عقد اجتماعي جديد تحتاج إلى خطاب عام جديد، وإلى منصات عادلة، وإلى مؤسسات تنتج الثقة بدل الشك، والمعرفة بدل التحريض، والانتماء بدل القطيعة.

إن أول ما يحتاجه السودان هو الانتقال من إعلام السلطة إلى إعلام المجتمع. والفارق بينهما كبير. إعلام السلطة يبرر، ويخفي، ويُلمّع، ويختزل الحقيقة في الرواية الرسمية. أما إعلام المجتمع فيسأل، ويراقب، ويفتح النوافذ أمام الجميع، ويجعل المواطن لا الحاكم مركز العملية الاتصالية. وهذا لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء مؤسسات مستقلة، محصنة بالقانون، تدار وفق المهنية والكفاءة لا الولاء السياسي.

كما أن أي إصلاح جاد يقتضي تفكيك الاحتكار التاريخي لملكية المنابر الإعلامية. إذ لا معنى للحديث عن حرية التعبير إذا كانت أدوات التعبير نفسها مركزة في يد قلة من المجموعات السياسية أو المالية. المطلوب بيئة تنافسية عادلة، وشفافية في التمويل، وتشريعات تمنع التركز الضار، وتفتح الباب أمام المبادرات المستقلة والمجتمعية والإقليمية.

ومن أهم ما يجب استدراكه أيضاً مسألة التمثيل. فالسودان لا يمكن أن يخاطب نفسه عبر نوافذ ضيقة. يجب أن يكون أبناء دارفور، وكردفان، والشرق، والنيل الأزرق، والشمال، والوسط، والخرطوم، جزءاً من غرف الأخبار، وهيئات التحرير، والإدارة، وصناعة القرار الإعلامي. ليس على سبيل الزينة أو التوازن الشكلي، بل لأن التنوع حين يدخل المؤسسة ينعكس مباشرة في اللغة، والموضوعات، والزوايا، والحساسية المهنية تجاه قضايا الناس.

ثم إن الإعلام السوداني الجديد ينبغي ألا يبقى أسير السياسة اليومية وصراع النخب. فبلد أنهكته الحرب والتفاوتات يحتاج إلى إعلام يضع التعليم والصحة والزراعة والبطالة والبيئة والنساء والشباب والهجرة والتنمية المحلية في صدارة الأولويات. إن تحويل أجندة الإعلام من متابعة صراعات السلطة إلى متابعة احتياجات المجتمع هو أحد أهم مؤشرات الانتقال الحقيقي.

ولا يقل عن ذلك أهميةً البعد المعرفي. فالمجتمعات التي تعاني الأمية أو ضعف الوصول إلى التعليم تحتاج إلى إعلام يؤدي وظيفة تنويرية كبرى. من هنا تبرز أهمية الإذاعات المحلية، واللغات الوطنية، والمحتوى البصري المبسط، والصحافة الخدمية، والمنصات الرقمية التي تصل إلى القرى والهوامش لا إلى المدن الكبرى وحدها. فالمعلومة العادلة في مجتمع هش قد تعادل مدرسة، وقد تمنع نزاعاً، وقد تفتح باب مشاركة مدنية واسعة.

وفي السياق نفسه، فإن العدالة الانتقالية لن تكتمل من دون إعلام مسؤول وشجاع. فهناك ملفات ظلت مطمورة لعقود: الحروب، النزوح، العنصرية، الإقصاء، الفساد، والتمييز البنيوي. هذه القضايا لا تُعالج بالصمت ولا بالتجميل، بل بإعلام يفتح المساحات للحقيقة، ويمنح الضحايا صوتاً، ويصون حق المجتمع في المعرفة. فالمصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان، وإنما على الاعتراف والإنصاف والضمانات بعدم التكرار.

ومع ذلك، فإن الحرية وحدها لا تكفي إن لم تقترن بالمسؤولية المهنية. فالإعلام المنشود ليس إعلام الفوضى أو خطاب الكراهية أو الاستقطاب الأهلي، بل إعلام يلتزم المعايير، ويتحقق من المعلومات، ويفصل بين الخبر والرأي، ويحترم الكرامة الإنسانية، ويصون السلم الاجتماعي. ولهذا يصبح ميثاق الشرف المهني، والتدريب المستمر، وتحديث المناهج الإعلامية، أموراً لا تقل أهمية عن الإصلاح القانوني والمؤسسي.

إن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة: إما أن يواصل إنتاج الأزمات بالأدوات القديمة، أو أن يبدأ تأسيساً جديداً تتغير فيه قواعد اللعبة كلها. وفي قلب هذا التأسيس يقف الإعلام بوصفه ساحة مركزية لا هامشية. فإذا تحرر من قبضة الهيمنة، وانفتح على كل السودانيين، واعترف بالتنوع، وخاطب الإنسان لا الجماعة المغلقة، فإنه سيسهم في صناعة وطن مختلف.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة أو دستور جديد، بل يحتاج كذلك إلى رواية وطنية جديدة، يشارك في كتابتها الجميع، وتُروى فيها حكايات الذين أُبعدوا طويلاً عن الصورة. وعندما يصبح كل سوداني قادراً على أن يرى نفسه في إعلام بلاده، عندها فقط يمكن القول إن الدولة بدأت تُبنى على أساس المواطنة، لا على إرث الامتيازات القديمة.

دريسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!