رأي

السيادة السودانية ليست مجالاً للوصاية

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

لا تُحمى السيادة بالبيانات، بل باحترام إرادة الشعوب وحدود الدول

في كل مرة تُطرح فيها الأزمة السودانية على طاولة الإقليم، تعود ذات اللغة المألوفة: حديث عن “وحدة السودان” و“دعم مؤسسات الدولة”. غير أن هذا الخطاب، على وجاهته الظاهرية، يثير تساؤلات عميقة حين يصدر من أطراف إقليمية ظل حضورها في الشأن السوداني محل جدلٍ واسع.

إن رفض التدخل في الشأن الداخلي ليس شعاراً سياسياً، بل مبدأ سيادي لا يقبل الانتقائية. فالسودان، الذي يخوض واحدة من أعقد أزماته، يحتاج إلى دعم يحترم إرادة شعبه، لا إلى مواقف تعيد إنتاج نفوذ تاريخي عبر بوابة “حماية المؤسسات”.

المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى الحفاظ على الدولة، بل في تعريف أي “دولة” يُراد الحفاظ عليها. فحين تُطرح المؤسسات باعتبارها كياناً فوق المساءلة، دون النظر إلى دورها في تعقيد الأزمة أو عجزها عن حماية المدنيين، فإن ذلك يفتح الباب أمام تكريس واقع مختل، لا معالجته.

وفي هذا السياق، تبرز مخاوف مشروعة من أن يكون الحديث عن “الاستقرار” غطاءً لاستمرار ترتيبات سياسية وأمنية ارتبطت، تاريخياً، بشبكات نفوذ إقليمية، كان لها تأثير مباشر على توازنات الحكم داخل السودان. إن حماية هذه الترتيبات لا تعني حماية الدولة، بل تعني تجميد الأزمة في صورتها الحالية.

الأكثر حساسية في هذا الجدل، هو أن السيادة التي يُدافع عنها خطابياً، تظل محل نقاش حين تُطرح قضايا حدودية وموارد مشتركة ظلت عالقة دون حلول عادلة. فالسودانيون يدركون أن مفهوم السيادة لا يُجزّأ، وأن احترامه يقتضي معالجة كل الملفات العالقة بروح الشراكة، لا بمنطق الأمر الواقع.

كما أن الحديث عن دعم مؤسسات الدولة لا ينبغي أن يُستخدم كذريعة لإقصاء أي نقاش حول إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس وطنية شاملة. فالدولة التي لا تعكس إرادة شعبها، ولا تحمي مواطنيها، تحتاج إلى إصلاح، لا إلى حماية شكلها القائم.

إن السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، وأي دور إقليمي مسؤول يجب أن ينطلق من مبدأ واحد واضح: احترام سيادته، وعدم السعي للتأثير على مساره الداخلي بما يخدم مصالح خارجية. فالشعوب، في نهاية المطاف، هي وحدها من يملك حق تقرير مصيرها.

وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى المطلوب ليس مزيداً من التصريحات، بل مواقف عملية تعيد الاعتبار للسيادة بمعناها الحقيقي سيادة الإرادة، لا سيادة الشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!