رأي

الأمان حين يتحول إلى خوف: كيف يعيد العنف تشكيل وعي الإنسان في الحروب

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

حين تتآكل الدولة، لا يعود العنف مجرد فعلٍ استثنائي، بل يتحول إلى نظام حياة. وحين يتحول العنف إلى نظام، يصبح السؤال الأخطر ليس من يمارسه، بل من يُجبر الناس على العيش داخله كأنه قدر لا مفر منه.

في الحروب الطويلة، لا يصبح السؤال: من على حق ومن على باطل؟

بل سؤالًا أكثر قسوة: من يملك القدرة على منحك فرصة البقاء؟

في سياق النزاع الدائر في السودان، يكثر الجدل حول وجود بعض أبناء الهامش داخل بنى أو معسكرات ترتبط في الوعي العام بالسلطة أو بالعنف، في وقت تتهم فيه أطراف مختلفة باستخدام القوة الجوية والطائرات المسيّرة في الصراع. من الخارج، يُقرأ هذا المشهد سريعًا كتناقض أخلاقي: كيف ينخرط المتضرر في بنية يُعتقد أنها جزء من أذاه؟

لكن هذا التفسير، رغم انتشاره، يتجاهل جوهر المسألة: نحن لسنا أمام “ولاء للمؤذي” بقدر ما نحن أمام انكماش قسري في الخيارات داخل بيئة حرب.

في الواقع، كثير من هذه الحالات لا تُبنى على قناعة سياسية أو اصطفاف أيديولوجي، بل على منطق أبسط وأكثر قسوة: من يوفّر الحد الأدنى من الأمان أو الموارد أو الحماية المؤقتة في فضاء انهارت فيه الدولة وتفككت فيه مراكز القرار. في مثل هذه الظروف، لا يعود الانتماء خيارًا حرًا، بل يصبح شكلًا من أشكال التكيف مع الضرورة.

تاريخيًا، حين تضعف الدولة وتتعدد مراكز القوة المسلحة، تنشأ مناطق رمادية تختلط فيها السلطة بالحرب، والحماية بالتهديد. في هذا الفراغ، لا يكون السؤال “من العادل؟” بل “من الموجود فعليًا على الأرض؟”.

من هنا، يظهر ما يبدو تناقضًا: أفراد من مناطق متضررة قد ينخرطون في منظومات قوة، ليس لأنهم لا يدركون العنف، بل لأنهم يعيشون داخل معادلة تجعل الانفصال عنها أكثر خطورة من البقاء داخلها. إنها ليست علاقة “حب جلاد”، بل علاقة بقاء داخل نظام مغلق لا يسمح بخيارات كثيرة.

التفسير النفسي الشائع، مثل متلازمة ستوكهولم، لا ينجح هنا إلا جزئيًا، لأنه يفترض علاقة فردية مباشرة بين ضحية ومؤذٍ، بينما الواقع في حالات النزاع أكثر تعقيدًا: شبكة اجتماعية وسياسية واقتصادية تُعيد تشكيل معنى الأمان نفسه، وتُدخل الأفراد في دوائر ضرورة لا يمكن الخروج منها بسهولة.

مع الوقت، يتغير الإدراك ذاته. الخطر المتكرر يفقد حدته، ويُعاد تعريفه كـ“وضع قائم”، لا كاستثناء. هنا لا يعود الإنسان يختار بين الخير والشر، بل بين أشكال مختلفة من الخطر، ويصبح البقاء هو المعيار الوحيد القادر على توجيه السلوك.

المفارقة أن هذا التكيف، رغم كونه مفهومًا، يعيد إنتاج البنية نفسها التي تفرضه. فحين يصبح الأذى قابلًا للتعايش، تفقد المجتمعات جزءًا من قدرتها على رفضه أو كسره.

السؤال إذن ليس: لماذا يتمسك الناس بمن يؤذيهم؟

بل: لماذا تُصمم البيئات السياسية والاجتماعية بحيث تجعل “النجاة” نفسها تمر عبر بوابات العنف؟

في النهاية، ربما لا تكمن المأساة في أن الإنسان يُضطر إلى التعايش مع من يؤذيه، بل في اللحظة التي يتغير فيها تعريفه للأمان نفسه. فحين تُغلق مساحات الاختيار، لا يعود الأمان نقيضًا للخطر، بل يصبح أحد صوره الممكنة، وأحيانًا أكثرها حضورًا.

هنا تحديدًا يحدث التحول الفلسفي الأخطر: لا يعود العنف حدثًا خارج الوعي، بل يدخل في تشكيله. وعندما يُعاد تشكيل الوعي داخل الخطر، يصبح من الصعب التمييز بين ما يُختار وما يُفرض، بين ما يُقبل وما يُحتمل.

وعند هذه النقطة، لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يقف الإنسان داخل دوائر الأذى؟

بل: كيف يمكن لعالمٍ أن يُنتج شروطًا تجعل الخطر يبدو—ولو مؤقتًا—كأنه شكل من أشكال النجاة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!