رأي

نحو تسوية تلوح في الأفق

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

 

حين تلتقي الإرادات، تتحول أصعب الأزمات إلى بدايات جديدة

ليست التحولات الكبرى في تاريخ الدول وليدة لحظة مفاجئة، بل هي حصيلة تفاعلات طويلة تتراكم فيها الوقائع حتى تفرض مساراً جديداً. وفي السودان، تبدو هذه اللحظة قد بدأت تتشكل ملامحها بوضوح، مع تطورات متسارعة على المستويين الداخلي والإقليمي، تشير إلى أن المشهد يتجه نحو منعطف حاسم قد يعيد رسم معادلة الصراع.

لقد أفرزت الحرب واقعاً بالغ التعقيد، حيث تأثرت بنية الدولة بصورة عميقة، وتعرض الاقتصاد لضغوط قاسية، وتبدلت أولويات المجتمع تحت وطأة النزوح وفقدان الخدمات الأساسية. ومع ذلك، فإن هذه التداعيات نفسها بدأت تدفع مختلف الأطراف إلى إعادة النظر في كلفة الاستمرار في الصراع، وفتح الباب أمام مقاربات جديدة تقوم على البحث عن مخارج سياسية أكثر استدامة.

في هذا السياق، يبرز تطور لافت يتمثل في التحرك المتنامي لتحالف “صمود”، الذي أخذ في توسيع حضوره داخل المشهد السياسي، وطرح نفسه كفاعل مدني قادر على لعب أدوار محورية في مستقبل العملية السياسية. هذا التحرك، الذي يستند إلى خطاب يتقاطع مع تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع، قد يجعله أحد أبرز المرشحين للتأثير في أي ترتيبات قادمة، خاصة في ظل الحاجة إلى قوى تمتلك القدرة على الربط بين متطلبات السلام وإعادة بناء الدولة.

وبالتوازي مع ذلك، تتزايد المؤشرات على وجود مرونة متبادلة بين طرفي الصراع، حيث يدور حديث متصاعد عن هدنة محتملة قد تمهد الطريق لوقف إطلاق النار. هذه الإشارات تعزز من فرضية أن كلاً من الجيش والدعم السريع قد بدأا يدركان حدود الحسم العسكري، وأن الاستمرار في المواجهة لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد أكثر. وإذا ما تبلورت هذه المرونة في اتفاق مبدئي، فإنها قد تشكل نقطة انطلاق نحو مسار تفاوضي أوسع.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن التحولات الإقليمية، وعلى رأسها التقارب السعودي–الإماراتي، الذي يبدو أنه ينعكس تدريجياً على مقاربة ملفات المنطقة، بما فيها السودان. فالتنسيق بين هاتين القوتين الإقليميتين قد يسهم في خلق بيئة أكثر انسجاماً لدعم جهود التسوية، خاصة إذا ما اقترن بتحركات مباشرة مع القوى المدنية السودانية. وفي هذا الإطار، يبرز التحرك السعودي تجاه القوى المدنية كعامل مهم، إذ يشير إلى توجه نحو دعم مسار سياسي يوازن بين متطلبات الاستقرار ومطالب التحول.

هذه الديناميات مجتمعة تعكس أن الساحة السودانية تشهد إعادة ترتيب للأوراق، حيث لم يعد الصراع محكوماً فقط بمنطق الميدان، بل باتت السياسة تستعيد تدريجياً موقعها كأداة للحسم. ومع ذلك، فإن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال محفوفاً بالتحديات، إذ يتطلب توافقاً واسعاً على شكل الدولة المقبلة، وضمانات حقيقية لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

وفي قراءة أوسع، يمكن القول إن السودان يقف اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة. الأول يتمثل في استمرار الحرب، وهو احتمال يتراجع تدريجياً مع تنامي كلفة الصراع وازدياد الضغوط الإقليمية والدولية. والثاني هو التوصل إلى تهدئة مؤقتة تفرض نوعاً من التوازن الهش، قد يخفف من حدة الأزمة دون أن يحل جذورها. أما الثالث، وهو الأكثر أهمية، فيتمثل في التوصل إلى تسوية تاريخية تعيد تأسيس الدولة على أسس جديدة، وهو المسار الذي بدأت ملامحه تلوح مع هذه التحركات المتسارعة.

إن ما يميز اللحظة الراهنة هو تلاقي عدد من المؤشرات التي لم تكن متوفرة في السابق: مرونة نسبية في مواقف الأطراف العسكرية، تحرك مدني متصاعد تقوده قوى مثل “صمود”، وانخراط إقليمي أكثر تنسيقاً، تقوده السعودية في اتجاه دعم الحلول السياسية. هذا التلاقي لا يعني أن التسوية أصبحت أمراً محسوماً، لكنه يشير بوضوح إلى أن شروطها بدأت تتشكل.

وفي نهاية المطاف، تبقى قدرة السودانيين على استثمار هذه اللحظة هي العامل الحاسم. فالتسويات لا تُفرض من الخارج بقدر ما تُبنى من الداخل، عبر توافقات تستند إلى إدراك مشترك بأن كلفة الحرب تجاوزت حدود الاحتمال، وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا على قاعدة السلام.

إن تطوراً لافتاً تشهده الساحة، ومعه تتزايد التوقعات بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولاً نوعياً في مسار الأزمة. وبين الحذر والأمل، يظل الثابت أن السودان يقترب من لحظة اختبار جديدة، وأن غداً—كما يقول المثل—لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!