رأي

التفوّق .. إنسانيٌّ لا عِرقيٌّ

محمد السماك

يروي المؤرخ الأميركي «جوناثان سويفت» في كتابه «الهنود الكبار والهنود الصغار» أن زعيميْ قبيلتين من قبائل هنود أميركا اختلفا حول أي طرف من البيضة المسلوقة يجب أن يُكسر أولاً، الطرف الطري أم الطرف الصلب. ويقول: إن الاختلاف بين الزعيمين أدى إلى حرب هندية – هندية استمرت طويلاً، وذهب ضحيتها الكثير من أبناء القبيلتين. وفي ذلك الوقت، أي 30 يونيو 1860 تقريباً، كان يجري جدال حول موضوع آخر في الطرف الآخر من المحيط الأطلسي، في جامعة أوكسفورد البريطانية.

كان موضوع الجدال يدور حول صحة أو عدم صحة نظرية النشوء والتطوّر التي صاغها شارل داروين. كان طرفا الجدال عالِم الطبيعيات والأستاذ في جامعة أوكسفورد توماس هكسلي، ورئيس أساقفة المدينة القسيس صموئيل ويلبرفورس الذي كان يُعتبر مرجعاً في دراسات اللاهوت والفكر المسيحي. كان هكسلي أكثر قدرة على إقناع جمهور العلماء. اعترف صموئيل بعجزه واعتزل الحياة العامة. مع ذلك انتهت المناظرة من دون انفجار حرب أو صراع بين العلمانيين والمتديّنين. واعتمد الفريقان واقعياً المبدأ الإسلامي العام الذي يقول: «لكم دينكم ولي دين».

فقد استمرت الكنيسة ولا تزال قائمةً حتى اليوم في حرم الجامعة، وواصلت الجامعة تدريس نظرية داروين ولا تزال حتى اليوم أيضاً. لم يتمكّن داروين من حضور جلسة المناقشة في جامعة أوكسفورد. كان داروين مريضاً في ذلك الوقت. كان يعاني من عدم القدرة على هضم السكر الموجود في الحليب (اللاكتوز).

ومع أن الأطفال يهضمون هذا الحليب بسهولة، خاصة أطفال المجتمعات الزراعية (مثل أوروبا)، فإن بعض الكبار والصغار، ولأسباب غير معروفة، يعجزون عن هضمه ويتعرّضون بسبب ذلك إلى مضاعفات صحية. كان داروين يعاني من هذه المضاعفات عندما عُقدت جلسة المناقشة العلمية، دون أن يعرف أن مرضه كان في حد ذاته مظهراً من مظاهر نظرية النشوء والتطور!

ومع ذلك أنجب داروين من زوجته «إيما» سبعة أولاد لم يبدِ أي منهم رغبةً في متابعة دراسات والده وتطويرها. بعد المناظرة العلمية العامة، استولدت نظرية أخرى من رحم نظرية داروين حول النشوء والتطور، هي نظرية «التفوق العنصري». وحصرت هذه النظرية التفوقَ في الإنسان الأبيض على كل الآخرين. وهي نظرية أدّت إلى مآسٍ إنسانية لا تزال مستمرة حتى اليوم، خاصة في الولايات المتحدة، حيث تقاتلت القبيلتان الهنديتان لاختلاف زعيميهما حول من أين يجب أن تُكسر البيضة المسلوقة!

صحيح أن بريطانيا كانت أول دولة تحرّم التجارة بالبشر وتعاقب عليها، إلا أن ذلك لم يكبح جماح طموحاتها التوسعية آنذاك في آسيا وأفريقيا وأميركا الشمالية. ومن رحم جامعة أوكسفورد التي شهدت انتصار النشوء والتطور، تخرّج قادة تحرير كبار أمثال غاندي ونهرو في الهند، ومحمد علي جناح في باكستان. لم يكن داروين هو صاحب مقولة «النشوء والتطور».

كان صاحب هذه المقولة عالِم آخر هو «ألفرد راسل والس»، الذي قام بدراسة علمية مشابهة في أرخبيل الملايو في عام 1858. وقد تكاملت نظريته مع نظرية داروين حتى بدت النظريتان وكأنهما وجهين لحقيقة علمية واحدة متكاملة. لذلك احتكما في تنافسهما العلمي إلى جمعية العلماء الاختصاصيين في عام 1858.

لم يقلّل اختلافهما من أهمية الأبحاث العلمية التي أجراها كل منهما بمعزل عن الآخر، ودون معرفة منه. مع ذلك لم يتصارع العالمان كما تصارع الزعيمان الهنديان. ولم يجرَّا العلماءَ الذين انحازوا إلى كل منهما نحو التقاتل. لكن الذي حدث هو أن داروين كان سباقاً في تقديم نظريته وفي شرحها مستعيناً بالنماذج الحيّة التي جمعها وقارن بين فصائلها المختلفة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!