
صالح السليمي
الحلقة الثانية: الشيوعيون والإخوان – حين تلتقي المتناقضات في تخريب الدولة؛
قد يبدو للوهلة الأولى أن الصراع بين الشيوعيين والإخوان في السودان كان صراعًا حقيقيًا بين مشروعين متناقضين: أحدهما يرفع راية المادية التاريخية والثورة الطبقية، والآخر يتدثر بعباءة الدين ويعد بحاكمية إلهية وعدالة سماوية. غير أن التمعن في الأثر، لا في الشعار، يكشف حقيقة أكثر قسوة: لقد التقى الطرفان—وعيًا أو بغير وعي—في نقطة واحدة، هي تقويض الدولة الوطنية الحديثة وتمزيق نسيجها الاجتماعي.
لم يكن الخطر في اختلافهما، بل في تشابههما البنيوي: كلاهما تنظيم عقائدي مغلق، يحتكر الحقيقة، ويُعيد تعريف المجتمع وفق ثنائية إقصائية حادة، لا تقبل التعدد ولا تعترف بالمناطق الرمادية.
أولًا: هندسة الانقسام – تقسيم المجتمع بدل توحيده
أخطر ما فعله التياران أنهما لم يتعاملا مع المجتمع السوداني بوصفه كيانًا متنوعًا يحتاج إلى إدارة حكيمة، بل بوصفه مادة خام لإعادة التشكيل الأيديولوجي.
• الشيوعيون أعادوا تعريف الناس وفق ثنائية: تقدمي / رجعي، حيث يُختزل الإنسان في موقعه من النظرية، لا في إنسانيته أو مواطنته.
• الإخوان، من جهتهم، قسّموا المجتمع إلى: مؤمن / كافر أو طاغوت، تقسيم يُضفي قداسة على الصراع، ويحوّله من خلاف سياسي إلى معركة وجود.
بهذا، لم يعد الخلاف اختلافًا في الرأي، بل حكمًا أخلاقيًا مطلقًا على الآخر. ومن هنا بدأ التآكل الحقيقي: حين يتحول الخصم إلى عدو، والاختلاف إلى خيانة.
ثانيًا: صناعة الكراهية – التضليل كسلاح سياسي
لم يكتفِ الطرفان بإنتاج خطاب نظري، بل انخرطا في حملات منظمة لتشويه الخصوم، مستندين إلى أدوات الدعاية، والإشاعة، والاغتيال المعنوي. ذلك من خلال استهداف الرموز الاجتماعية—السياسية والقبلية والثقافية—باتهامات أخلاقية أو سياسية، لا بهدف النقد، بل بهدف هدم الثقة العامة. ومع الوقت، ترسخت ثقافة الشك، وانكسرت الجسور بين مكونات المجتمع، حتى أصبح التعايش نفسه مهمة شاقة.
النتيجة لم تكن فقط انقسامًا سياسيًا، بل تفككًا اجتماعيًا عميقًا، جعل أي مشروع وطني جامع يبدو مستحيلًا.
ثالثًا: استيراد الأوهام – الارتهان لنماذج خارجية
كلا التيارين ربط وعي أتباعه بنماذج خارجية، لا تمت بصلة لخصوصية السودان:
• الشيوعيون علّقوا أحلامهم على نموذج الثورة البلشفية، ووعدوا بحكم البروليتاريا، متجاهلين أن هذا النموذج نفسه انتهى إلى أنظمة قمعية، صادرت الحريات، وأعادت إنتاج النخبة في شكل أوليغارشي فاسد.
• الإخوان، في المقابل، قدّموا تصورًا مثاليًا لحكم ديني، يُدار باسم الله، ويحقق عدالة مطلقة، بينما التاريخ—قديمه وحديثه—يُظهر أن هذا النموذج ظل إشكاليًا، ومشحونًا بالصراعات، وعاجزًا عن تقديم صيغة عملية مستقرة.
المحصلة أن الطرفين لم يقدما مشروعًا واقعيًا، بل أوهامًا كبرى، حشدت الجماهير عاطفيًا، لكنها فشلت عمليًا، وتركت خلفها فراغًا خطيرًا.
رابعًا: اختراق الدولة – من الإصلاح إلى التمكين
بدل أن يسعيا إلى تطوير مؤسسات الدولة، عمل التياران على اختراقها وإخضاعها:
• تم تسييس الخدمة المدنية، وتحويلها من جهاز مهني إلى ساحة صراع نفوذ.
• أُضعف القضاء عبر الضغوط والتدخلات.
• تحولت الجامعات—التي يفترض أن تكون فضاءً للمعرفة—إلى ساحات تعبئة أيديولوجية.
ومع كل جولة صراع، كانت الدولة تخسر جزءًا من استقلالها، حتى أصبحت في كثير من الأحيان أداة في يد التنظيم، لا إطارًا يحكم الجميع.
خامسًا: الآثار غير المرئية – تدمير العقل الجمعي
ربما أخطر ما خلّفه هذا الصراع، هو ما لا يُرى مباشرة:
• إضعاف التفكير النقدي: حيث يُستبدل السؤال بالطاعة، والتحليل بالشعار.
• تسييس الهوية: لم يعد الانتماء وطنيًا، بل أيديولوجيًا، يُحدد موقفك من كل شيء.
• تطبيع الإقصاء: أصبح من المقبول استبعاد الآخر، بل والتحريض عليه، باسم “الحقيقة” أو “الدين” أو “الثورة”.
• إفقار المجال العام: حيث تراجعت الكفاءات المستقلة، وحلّت محلها كوادر ولاؤها للتنظيم لا للوطن.
وهكذا، لم يقتصر الضرر على مؤسسات الدولة، بل امتد إلى وعي الإنسان السوداني نفسه، الذي أُعيد تشكيله ليكون تابعًا، لا مواطنًا.
سادسًا: من الصراع إلى النتيجة – دولة بلا روح
حين تتصارع الأيديولوجيات على جسد الدولة، دون أن تؤمن بها، تكون النتيجة حتمية: دولة ضعيفة، مجتمع ممزق، وسياسة بلا أفق.
لم ينتصر الشيوعيون، ولم ينجح الإخوان في بناء نموذجهم، لكن السودان هو الذي دفع الثمن:
تراجع في التنمية، اضطراب سياسي مزمن، وتآكل في الثقة العامة، حتى أصبح الانهيار—في لحظة ما—أقرب من الاستقرار.
إن المفارقة القاسية أن التيارين، رغم عدائهما الظاهر، أسهما معًا في إنتاج الواقع الذي نعيشه اليوم.فكلٌ منهما، بطريقته، عمل على نزع الشرعية عن الدولة الوطنية، واستبدالها بمشروعه الخاص، دون أن يمتلك القدرة على بناء بديل مستقر.
وفي الحلقة القادمة، سننتقل إلى الضلع الثالث في هذا المشهد: السلفيون الماضويون، وكيف أسهم خطابهم—الذي يبدو بعيدًا عن السياسة—في تعميق الأزمة، عبر تعطيل العقل، وتكريس الانسحاب من الحاضر، وإعادة إنتاج التخلف في ثوب ديني.




