
عباس احمد السخي
حين ينزلق الطبيب من مقامه الأخلاقي الرفيع إلى دور المخبر، فإن الخسارة لا تقف عند حدود انتهاك مهني عابر، بل تمتد لتقوّض أحد أعمدة الثقة الإنسانية في أزمنة الحروب: حياد الطب وقدسيته. ما أورده عبد الفتاح البرهان في حديثه أمام ملتقى الأطباء بفندق السلام، يفتح بابًا ثقيلًا من الأسئلة حول انخراط بعض المنتمين إلى المهنة في أدوار تتجاوز حدود العلاج إلى التورط في صميم الصراع، عبر العمل كمخبرين لصالح جيش الاخوان. هذا التحول، ووقائعه، لا يمثل مجرد انحراف فردي، بل عمل جبان يهدد بتحويل الطبيب من ملاذ آمن إلى أداة ضمن ماكينة النزاع.
ولا يقف هذا الخطاب عند حدود الإشارة العامة، بل يجد صداه في مواقف علنية أخرى تعمّق ذات المنحى الخطير؛ إذ يتطابق ما أشار إليه البرهان مع تصريحات طارق كيجاب، الذي هاجم فيها زملاءه من الأطباء لالتزامهم بتقديم الخدمة الطبية لكل من يحتاجها، بما في ذلك عناصر قوات الدعم السريع. ولم يكتفِ بالهجوم، بل طالب بمعاقبة هؤلاء الأطباء، في موقف يصادم جوهر المهنة ويصطدم مباشرة مع قواعدها الأخلاقية التي تفرض على الطبيب علاج المريض بصفته إنسانًا، لا بصفته طرفًا في نزاع. إن مثل هذه الدعوات لا تكتفي بتسييس الممارسة الطبية، بل تسعى إلى إعادة تعريفها على نحو خطير، يحوّل الالتزام الإنساني إلى جريمة تستوجب العقاب.
لقد تأسست مهنة الطب، منذ أبقراط وقسمه الشهير، على مبدأ جوهري لا يقبل المساومة: خدمة الإنسان لذاته، دون تمييز أو تحيز، ودون استغلال لحظة ضعفه. وفي السياقات الحديثة، عززت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه القاعدة عبر قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تنص صراحة على وجوب حماية الكوادر الطبية، مقابل التزامها الصارم بالحياد وعدم الانخراط في الأعمال العدائية أو دعم أي طرف. الطبيب في ساحة الحرب ليس شاهدًا محايدًا فحسب، بل هو خط الدفاع الأخير عن إنسانية تتآكل تحت وطأة السلاح.
غير أن ما أشار إليه البرهان، وما سبقه من تقارير متداولة حول ممارسات صادمة—من بتر أعضاء خارج مقتضيات الضرورة الطبية، إلى التلاعب بنقل الدم، بل واتهامات بحقن مواد سامة—يرسم صورة قاتمة لانهيار المعايير. وحتى مع ضرورة التحقيق في هذه الممارسات لأن مجرد تداولها بهذا الاتساع يكفي لزرع الشك في وجدان المجتمع، وتقويض العلاقة الحساسة بين الطبيب والمريض. فالطب، بطبيعته، يقوم على الثقة المطلقة؛ وحين تتسلل الشبهة إلى هذه العلاقة، يصبح كل إجراء علاجي موضع ريبة، وكل يد تمتد بالعلاج قابلة للتأويل.
إن أخطر ما في هذا الانحراف ليس فقط نتائجه المباشرة على الضحايا، بل أثره التراكمي على بنية المجتمع. حين يُنظر إلى “الجيش الأبيض” بوصفه طرفًا في الصراع، تفقد المستشفيات حصانتها الرمزية، وتتحول من مساحات إنقاذ إلى ساحات شك وخوف. وهذا ينعكس بدوره على إمكانية وصول الجرحى إلى العلاج، وعلى استعداد الكوادر الطبية الأخرى لأداء واجبها في بيئة مسيّسة ومهدِّدة.
المسؤولية هنا مزدوجة: فردية ومؤسسية. فرديًا، يظل الطبيب مسؤولًا عن أفعاله أمام ضميره والقانون، ولا يعفيه ضغط الواقع أو استقطاب الحرب من الالتزام بأخلاقيات المهنة. ومؤسسيًا، تقع على عاتق النقابات والهيئات الصحية واجبات واضحة في التحقيق، والمساءلة، وحماية سمعة المهنة من الاختراق. كما أن المجتمع الدولي، عبر آليات مثل تقارير منظمة أطباء بلا حدود وغيرها، مطالب بتكثيف الرصد المستقل وتوثيق الانتهاكات، لضمان عدم إفلات أي جهة من المحاسبة. كما نتطلع الى معرفة رأي أطباء السودان وواجهاتهم المهنية في الممارسات التي اشار اليها البرهان في خطابه؛
في المحصلة، لا يمكن لأي مجتمع أن يحتمل سقوط آخر خطوط الأمان فيه. وإذا كان السلاح يفتك بالأجساد، فإن تسييس الطب يفتك بما هو أعمق: الثقة، والإنسانية، وإمكانية التعافي نفسها. إن إعادة الاعتبار لحياد الأطباء ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية لبلد أنهكته الحرب، ويبحث—بأي ثمن—عن بقايا طمأنينة.




