رأي

تحالف العطب

فاطمة لقاوة

 

 فاطمة لقاوة

في لحظةٍ يختلط فيها الضجيج بالدعاية، يخرج عبد الفتاح البرهان محاطاً بهالة مصطنعة من “الدهاء السياسي”، يصوغها قلم الصادق الرزيقي، ويؤدي أدوارها على المسرح مهرجون مثل النور القبة، لكن ما يبدو في ظاهره إستعراض قوة، ليس في حقيقته سوى عرض مكشوف لأزمة سلطة تعجز عن إنتاج أي بديل خارج أدواتها القديمة.

الرزيقي لا يكتب هنا بقدر ما يعيد تدوير خطاب فقد صلاحيته؛ خطاب يقوم على تضخيم الشخصيات وتجميل الوقائع، وكأن المشكلة في السودان كانت دائماً نقصاً في “السرد”، لا خللاً عميقاً في بنية الحكم.

هذا النوع من الكتابة لا يفسر الواقع، بل يراهن على إرباكه، وعلى إقناع الناس بأن إعادة ترتيب نفس الوجوه يمكن أن تأتي بنتيجة مختلفة،أما البرهان، فإن صورته التي يحاول الخطاب الترويجي رسمها—كقائد يمتلك “مفاتيح المجتمع”—تصطدم بحقيقة أبسط: لا يمكن إدارة دولة بمنطق الشبكات الشخصية إلى ما لا نهاية.

كل محاولة لتقديمه كمهندس توازنات، تتهاوى أمام واقع أن هذه التوازنات نفسها هي التي أبقت البلاد في حالة سيولة مزمنة، حيث لا إستقرار يُبنى ولا مؤسسات تُحترم.

في قلب هذا المشهد، يأتي النور القبة بوصفه نموذجاً مكثفاً لسيولة المهرجين في الساحة السودانية: حضور سريع، إصطفاف متبدل، ودور يُعاد تعريفه وفق اللحظة،

هذه ليست مرونة مواقف بقدر ما هي غياب لأي أرضية صلبة يمكن أن تُبنى عليها ثقة عامة،عندما يصبح الموقع السياسي قابلاً للتبديل بهذه السهولة، فإن الرسالة التي تصل للناس ليست قوة، بل هشاشة.

المفارقة أن هذا الثلاثي—البرهان، الرزيقي، والقبة—يتحرك وكأن الذاكرة الجمعية يمكن تجاوزها بخطاب جديد،إلاَّ أن الواقع أكثر تعقيداً: المجتمعات التي عاشت الحرب لم تعد تتلقى هذه العروض كما في السابق،

و“القيادات المصنوعة” ليست قادرة على لعب نفس الدور، ولم يعد الإعلام قادراً على إخفاء التناقضات الصارخة بين الخطاب والممارسة.

ما يجري الآن ليس إعادة ترتيب للمشهد، بل إعادة إنتاج لأزمته، فحين تُدار السياسة كشبكة ولاءات،

ويُستخدم الإعلام كأداة تلميع، ويتحوّل المهرجون إلى أوراق قابلة للاستبدال، فإن النتيجة الحتمية ليست إستقراراً، بل مزيد من التفكك.

الخطير هنا ليس فقط في الأشخاص، بل في ما يمثلونه معاً: نموذج سلطة يعتقد أن بإمكانه النجاة عبر إعادة تدوير نفسه، هذا النموذج، مهما تغيّرت وجوهه، يظل أسير نفس المعادلة: سلطة بلا مشروع، وتحالفات بلا ثقة، وخطاب بلا مصداقية،وفي مواجهة هذا، لا يكفي فضح التناقضات، بل يجب إدراك أن المشكلة أعمق من مجرد إصطفاف عابر.

إنها أزمة نمط حكم يرفض أن يتعلم، ويصر على إعادة إنتاج نفس الأدوات-(قبلنة المشهد السياسي ،و استخدام كرت القبلية بإعتباره كرتهم الرابح في حسم صراعاتهم)-حتى وهو يغرق فيها.

لهذا، فإن كل هذا الضجيج مهما بدا صاخباً لن يغيّر حقيقة واحدة: لا يمكن بناء مستقبل مختلف بنفس الأدوات التي صنعت الانهيار.

ولنا عودة بإذن الله

الثلاثاء،٢١ابريل/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!