رأي

السياسة بلا ضمير: كيف حوّل الإسلامويون الحرب إلى وسيلة بقاءٍ تنظيمي

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في لحظات الانهيار الوطني الكبرى، تنكشف طبيعة المشاريع السياسية على حقيقتها، لا عبر الشعارات، بل عبر الممارسة الفعلية في ميادين الأزمات. والحرب الدائرة في السودان تقدّم نموذجًا صارخًا لكيف يمكن لمشروعٍ أيديولوجي أن يضع بقاء التنظيم فوق بقاء الوطن، وأن يعيد تعريف السياسة لا بوصفها إدارةً للصالح العام، بل كأداةٍ لتحقيق الغايات التنظيمية مهما بلغت الكلفة الإنسانية.

منذ نشأة المشروع الإسلاموي في السودان، ظلّ مفهوم السياسة لديه مرتبطًا بفكرة (التمكين) لا (المواطنة) وبفكرة (الجماعة) لا “الدولة”. وبهذا المعنى، لم تكن الدولة غايةً في ذاتها، بل مجرد وعاءٍ لإدارة النفوذ وترسيخ السيطرة. وعندما تندلع الحروب، تتحول المأساة الوطنية إلى فرصةٍ لإعادة إنتاج الشرعية المفقودة، ولو عبر دماء المدنيين وخراب المدن.

ما جرى في ولاية الجزيرة، وخصوصًا في ود النورة، يقدّم مثالًا مؤلمًا على هذا المنطق. إذ تُرك المدنيون يواجهون آلة الحرب بأسلحةٍ بدائية، في مشهدٍ لا يمكن تفسيره عسكريًا بقدر ما يمكن فهمه سياسيًا: صناعة مأساة تُستثمر إعلاميًا لإعادة تشكيل الوعي العام، وتوجيه الغضب الشعبي نحو خصمٍ واحد، بما يخدم سرديةً محددة. هنا لا يصبح الإنسان هو المركز، بل الصورة الذهنية التي تُبنى فوق معاناته.

هذه المقاربة تكشف جوهر السياسة الإسلاموية كما مورست تاريخيًا:

سياسة تقوم على تعبئة العاطفة بدل بناء الوعي، وعلى شيطنة الخصوم بدل تقديم البدائل، وعلى استثمار الأزمات بدل حلّها. وهي، في جوهرها، سياسة براغماتية قصوى تتجاوز الأخلاق عندما تعيق تحقيق الهدف التنظيمي. فالضمير السياسي يُستبدل بحسابات المكسب والخسارة، والوطن يُختزل إلى ساحة صراعٍ على الشرعية.

في المقابل، تجد القوى المدنية نفسها في معركةٍ غير متكافئة. فهي تتحرك ضمن منطقٍ أخلاقي يحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الحقيقة والاتساق، بينما تواجه آلة دعائية قادرة على إعادة تعريف الواقع نفسه. وهكذا تُتَّهم هذه القوى، رغم مواقفها المعلنة ضد الحرب، بأنها شريكٌ خفي فيها؛ لا لشيء سوى لأن الخطاب التعبوي يحتاج دائمًا إلى (عدو داخلي) يكتمل به المشهد.

هذه المفارقة ليست جديدة في التجارب السياسية المؤدلجة. فحين تُختزل السياسة في صراع وجودي بين (معسكرين)، يختفي المجال الرمادي الذي تعيش فيه الحقيقة. ويصبح الضجيج أعلى من المعرفة، والانفعال أقوى من التحليل، فتنتصر الرواية الأكثر قدرةً على التأثير لا الأكثر اقترابًا من الواقع.

إن أخطر ما في هذا النمط من الممارسة السياسية أنه يعيد تشكيل الوعي الجمعي على أسسٍ مضلِّلة. فبدل أن يُسأل: كيف نوقف الحرب؟ يصبح السؤال؟

من نكره أكثر؟

وبدل البحث عن مستقبل الدولة، ينشغل الخطاب بتثبيت سرديات الماضي. وهكذا تُدار المجتمعات داخل دائرةٍ مغلقة من الخوف والتعبئة، تمنع أي انتقالٍ حقيقي نحو السلام أو الديمقراطية.

السياسة، في معناها العميق، هي أخلاقٌ مُنظَّمة لخدمة البشر. وعندما تُفصل عن الأخلاق، تتحول إلى مجرد تقنيةٍ للسيطرة. وما تكشفه التجربة السودانية اليوم هو صراع بين نموذجين

نموذجٍ يرى الوطن وسيلةً لبقاء التنظيم،

ونموذجٍ يحاول رغم ضعفه أن يجعل التنظيم وسيلةً لبقاء الوطن.

قد ينتصر النموذج الأول مؤقتًا بفعل السلاح والدعاية، لكنه يظل انتصارًا هشًّا؛ لأن المجتمعات لا يمكن أن تُحكم طويلًا بالخوف وحده، ولا أن تُبنى على إنكار الحقيقة. وفي النهاية، تعود الأسئلة المؤجلة لتفرض نفسها: من دفع الثمن؟ ومن ربح فعلًا؟ وهل يمكن لأي مشروعٍ سياسي أن ينجو فوق أنقاض وطنه؟

الإجابة التي يقدّمها التاريخ واضحة:

كل سياسةٍ بلا ضمير، مهما بدت قوية في لحظةٍ ما، تحمل في داخلها بذور سقوطها. لأن الأوطان قد تُخدع مؤقتًا، لكنها لا تنسى طويلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!