اقتصاد السودان في زمن الحرب | أبريل 2026 اقتصاد الإبادة البطيء السودان بين مطرقة الحرب وسندان الانهيار الشامل تحليل اقتصادي وإنساني
عمر سيد احمد

عمر سيد أحمد
باحث في الاقتصاد السوداني خبير مصرفي ومالي
أبريل 2026
ثلاث سنوات من الحرب كافية لتحويل أغنى بلدان المنطقة زراعياً ومعدنياً إلى أكبر كوارثها الإنسانية. السودان اليوم لا يعيش أزمة — بل يعيش تفككاً منهجياً لدولة كاملة، تتحول فيه ثروات الشعب إلى وقود للصراع، وتُوظَّف فيه معاناة الملايين أداةً للسيطرة لا ضريبةً للحرب. يحتاج 33.7 مليون شخص إلى مساعدة إنسانية عاجلة (UNICEF/OCHA 2026)، فيما يبلغ عدد النازحين داخلياً وخارجياً 13 مليون نازح (UNHCR 2026)، ويصل الانكماش الاقتصادي التراكمي إلى 42% (IMF 2025)، في حين لم يُموَّل سوى 16% فقط من الاحتياجات الإنسانية المطلوبة (OCHA 2026).
أولاً: حرب تُعيد كتابة الجغرافيا الإنسانية
في الخامس عشر من أبريل 2023، لم تندلع حرب عادية بين طرفين متنازعين على السلطة — بل اشتعل صراع يُعيد هندسة مجتمع بأسره. فمنذ أن تبادّلت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع النيران في شوارع الخرطوم، لم يعد السودان كما كان. اليوم، بعد ثلاث سنوات متواصلة من القتال، لا يصف هذا الصراع بوصف واحد كافٍ: إنه في آنٍ واحد أكبر أزمة نزوح في العالم، وأشد أزمات الجوع حدّةً على وجه الأرض، وواحدة من أعمق حالات الانهيار الاقتصادي التي شهدتها دولة في التاريخ المعاصر.
ما يجعل الأزمة السودانية استثنائية ليس حجمها فحسب — بل بنيتها. فهذا ليس صراعاً تتضرر فيه الاقتصادات كأثر جانبي للعمليات العسكرية. بل هو صراع تحوّل الاقتصاد فيه إلى ميدان للحرب ذاتها: يُدمَّر الإنتاج الزراعي عمداً، ويُحاصَر المدنيون جوعاً كأداة ضغط، وتُنهَب الموارد لتمويل استمرار القتال. إنه ما يمكن تسميته باقتصاد الإبادة البطيء — حيث يتحول الجوع والمرض والتهجير إلى أسلحة ممنهجة.
الجوع ليس نتيجة عَرَضية للحرب السودانية — بل هو سلاح ممنهج في ترسانتها
ومع ذلك، يبقى هذا الصراع في هامش الاهتمام الدولي، مغموراً خلف أزمات أخرى تستأثر بالتغطية الإعلامية والتمويل الإنساني. خطة الاستجابة الإنسانية التي تحتاج 4.2 مليار دولار سنوياً لم تُموَّل سوى بـ 16% من احتياجاتها عام 2026. كل مليار دولار ناقص يعني آلاف الوفيات الإضافية يمكن تجنّبها.
ثانياً: الانهيار الاقتصادي — الأرقام التي لا تُصدَّق
لفهم ما حدث للاقتصاد السوداني، يكفي رقم واحد: انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 37.5% في عام 2023 وحده — وهو انهيار تجاوز في حدّته ما شهدته معظم الدول المنهارة في التاريخ الحديث. ثم تراكمت الخسائر لتبلغ 42% بنهاية 2025، ما يعني أن السودان فقد ما يقارب نصف اقتصاده في غضون ثلاث سنوات فقط. وقد رافق ذلك تضخم بلغ 177% عام 2024 (صندوق النقد الدولي)، واختفاء ما يقارب 4.6 مليون وظيفة وفق التقديرات الدولية، فيما ارتفعت نسبة من يعيشون في فقر مدقع من 35% قبل الحرب إلى 64%.
وتؤكد نمذجة برنامج الآفاق الأفريقية (ISS/UNDP 2026) هذا المسار القاتم: إذ يُتوقع أن يظل نصيب الفرد من الناتج المحلي دون مستويات أوائل التسعينيات حتى منتصف الأربعينيات، مع معدل نمو لا يتجاوز 1.2% سنوياً — أي أقل من نصف المتوسط الأفريقي للدول منخفضة الدخل. ويُجسّد ذلك ما يُسميه التقرير “المسار الراهن”: ليس انتكاسة مؤقتة، بل ركوداً بنيوياً ممتداً لعقود.
الجنيه السوداني: من عملة إلى ورقة
لا يوجد مؤشر يُلخّص الانهيار الاقتصادي كما يفعل مسار صرف الجنيه السوداني. في عام 2022، كان الدولار يساوي 570 جنيهاً. في أبريل 2026، بلغ 4,150 جنيهاً. هذا يعني أن العملة فقدت 87% من قيمتها في ثلاث سنوات — وهو انهيار لا يمكن تفسيره بضغوط اقتصادية عادية، بل هو نتاج مباشر لتدمير منظومة الإنتاج والصادرات، وانهيار الثقة في المؤسسة المصرفية، وخروج 90-95% من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي الرسمي. أكثر من 60% من المصانع توقفت عن العمل، وغادرت ستة بنوك أجنبية أو أكثر السوق السوداني، فيما بلغ سعر الجازولين 6,867 جنيهاً للتر — وهو ما يجعل أي نشاط إنتاجي أو زراعي أو تجاري شبه مستحيل. الزيادة الإجمالية في تكلفة الطاقة المستوردة تجاوزت 1,200% مقارنة بما قبل أبريل 2023.
انهيار مشروع الجزيرة — قلب الزراعة السودانية
مشروع الجزيرة الذي يُنتج وحده 50% من القمح السوداني، تعطّلت مضخاته بشح الديزل، نُهبت أسمدته ومعداته، وانهار تمويله الحكومي. النتيجة: إنتاج الحبوب انخفض 46% على المستوى الوطني، وأسعار الغذاء ارتفعت 350%. وهذا في بلد يمتلك 84 مليون هكتار صالح للزراعة — أكثر من مساحة كثير من الدول الزراعية الكبرى مجتمعة. يُشير تقرير ISS/UNDP إلى أن التحول الزراعي يمثّل “المحرك الأكثر حسماً” للخروج من الأزمة، والمفارقة المؤلمة أن السودان يجمع بين واحدة من أكبر الكوارث الزراعية في العالم وبين الإمكانات التصديرية الزراعية الأضخم في أفريقيا.
ثالثاً: ثروة مُهرَّبة — فضيحة الذهب السوداني
السودان يمتلك احتياطيات ذهبية ضخمة، وينتج رسمياً 65 طناً سنوياً، فيما تشير التقديرات الدولية إلى أن الإنتاج الفعلي يتراوح بين 80 و120 طناً. بسعر الذهب الراهن البالغ 4,700 دولار للأونصة، أي ما يعادل 151 مليون دولار للطن، فإن القيمة الكامنة في هذه الثروة هائلة. غير أن القيمة الرسمية المُسجَّلة في الخزينة لا تتجاوز 1.6 مليار دولار، في حين تشير التقديرات إلى أن ما بين 12 و16 مليار دولار تتسرب سنوياً عبر شبكات التهريب — أي ما يتراوح بين 70% و90% من الإنتاج الفعلي.
هذا الرقم — 12 إلى 16 مليار دولار مُهرَّبة سنوياً — يعادل تمويل نداء الأمم المتحدة الإنساني الكامل عشر مرات. يكفي لإعادة بناء مصفاة الجيلي في ربع سنة، ولسداد الفجوة التجارية الهيكلية في نصف سنة. الذهب السوداني يمول الحرب — لا يُعمّر الشعب. كلا الطرفان المتحاربان يستخرجانه ويُهرّبانه عبر شبكات إقليمية معقدة تمتد إلى الإمارات وليبيا وغيرها.




