
مهدي عبدالله حامد
تعد دراسة الدولة السُّودانية في سياقها التاريخي والسياسي عملية أشبه بالإبحار في عاق محيط متلاطم الأمواج، حيث تبرز “عقلية المركز” كعنق زجاجة مُغلقة تدور حولها كل الأزمات وفي ذات الوقت تستعصى أمامها الحلول والتغييرات ، إذ إنَّ هذا المركز ، بتموضعه الثقافي والسياسي، لم يكن حيز جغرافي مأزوم فقط ، وإنما كان منظومة متكاملة من القيم والمصالح التي صاغت وجه الدولة منذٌ الاستقلال ، ويقول الحكماء في أوروبا “البيت الذي يُبنى على أساس مائل، لا يمكن تقويم جدرانهُ بالطلاء” حقًا هذا هو التوصيف الأدق لحالة المركز في السُّودان القديم الذي استندت بنيته إلى مفاهيم إقصائية جعلت من محاولات الترقيع السياسي والاجتماعي جهدًا ضائعًا ، فقد تشكل هذا المركز ضمن ظروف تاريخية معينة ، وبدلًا من أن ينفتح على التنوع السُّوداني الثري ، تقوقع حول ذاته ، مما أدى إلى نشوء فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع ، وبين طموح السودانيون المتطلعون إلي النهوض الذي اصطدم ببؤس واقع نخبة دولة أدمنت الفشل المريع.
فإنَّ استعصاء الإصلاح في بنية الحكم لم يكُن بسبب جفاف الرؤى الإصلاحية ، ولكنه كان نتيجة طبيعية لتعارض جوهري بين الحفاظ على الامتيازات التاريخية التي رفضت متطلبات الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية ، فكلما لاحت في الأفق بارقة أمل للتغيير ، اصطدمت بحائط الصد المركزي الذي تشكلهُ المصالح الضيقة للنخبة الوقحة وهنا نجد صدى للحكمة اليابانية التي تقول “الخيزران الذي لا ينحني ، ينكسر عند أول عاصفة” وهي رياح الخامس عشر من أبريل الثائرة ، فالمركز في السُّودان القديم اختار التعنت ولم يرعوي من ثورة ديسمبر المجيدة ، معتبرًا أن أي تنازل عن قبضته المركزية هي تهديد لوجوده ، فهذا الجمود الفكري والسياسي جعل من “الإصلاح” مجرد شعار يرفعه في الأزمات دون نية أو رغبة حقيقية للتحول ، وهو ما يفسر لماذا فشلت عشرات الاتفاقيات والعهود التي وُقعت عبر العقود الماضية وبهذه المقامرة الخاسرة أوصد فلقد الأبواب أمامه ليجد نفسه وجها لوجه مع مصيره المحتوم.
وكما إنَّ الضرورة التي استدعت “التأسيس” بدلًا من “الإصلاح” تنبع من إدراك عميق بأن الأزمة ليست في الوجوه أو النظم السياسية فحسب، وإنما في “العقلية” التي تدير الموارد وتوزع الفرص بإنتقائية ، فالمركز القديم ظل يرى في الأطراف مجرد موارد للمواد الخام والجنود ، متجاهلًا كونها مكونات أصيلة لها الحق الكامل في صياغة القرار الوطني ، وتحديدًا هذه هي نقطة اللا عودة التي استوجبت أن يكون التأسيس الجديد هو الضرورة المُلحة لإعادة تعريف الدولة من نقطة الصفر ، بحيث تكون المواطنة هي المعيار الوحيد ، والتنوع هو مصدر القوة ، وكما يؤمن الأوروبيون بأن “المرء لا يمكنه عبور النهر مرتين بنفس الماء” وعليه ، فإنَّ السُّودان لا يمكنهُ دخول المستقبل بنفس الأدوات والعقليات التي أورثته الحروب والفقر ، باعتبار إن عملية التأسيس هي فعل إرادي يهدف إلى بناء عقد اجتماعي جديد ، يتجاوز إرث المركزية القابضة نحو آفاق الرحابة الوطنية الشاملة.
حقًا لقد استنفد المركز القديم كل فرص الترميم ، وأصبح عبئه التاريخي أثقل من قدرته على الصمود هذه الرياح العاتيه الأمر الذي أدى لانكساره وسقوط بنيانه الهش، إذ أن الثقافة السيَّاسيَّة التي أنتجها هذا المركز اعتمدت على “الأنا” الضيقة، وأهمل “نحن” الجامعة ، مما حتم على دعاة التغيير هدم المعبد القديم ، لان التحول من عقلية المركز إلى فضاء التأسيس تتطلب شجاعة أخلاقية وفكرية تماثل شجاعة الساموراي في مواجهة الحقائق المُرة ، مع الالتزام بالهدوء والدبلوماسية في إدارة هذا الانتقال الكبير ، باعتبار إنّ بناء السُّودان الجديد يتطلب فهمًا عميقًا لدروس الماضي الموجع ، ليس من أجل البكاء على الأطلال ، بل من أجل ضمان عدم تكرار الأخطاء ذاتها تحت مسميات جديدة.
يظل الانتقال من “عقلية المركز” إلى رحاب “التأسيس” هو التحدي الأكبر والأسمى أمام السودانيين ، إنها رحلة من الظلام نحو النور ، ومن الضيق نحو السعة ، وكما يُقال “مشوار المليون ميل يبدأ بخطوة واحدة” فهذه الخطوة هي الاعتراف بأن النموذج القديم قد وصل إلى نهايته المنطقية وإنَّ التأسيس الشامل ليس دعوة للهدم ، وانما هو دعوة لبناء صرح وطني يتسع للجميع ، حيث لا فضل لمركز على طرف إلا بمقدار العطاء والالتزام بالهوية الوطنية الموحدة ، وكما إن المُستقبل ملك لأولئك الذين يملكون القدرة على تجديد ذواتهم ، والسُّودان، بإرثه العظيم وشعبه الصامد ، يمتلك كل المقومات لصناعة هذه اللحظة التاريخية، والخروج من نفق المركزية المُظلم إلى فضاء الدولة المدنية المستقرة والناهضة.




