

عماد أبكر جدو
في لحظة سياسية فارقة، جاء القرار النموذجي الذي أصدره السيد محمد حسن التعايشي، رئيس وزراء حكومة السلام، بتأسيس الجهاز التنفيذي لحكومة “تأسيس”، ليضع لبنة جديدة في مسار إعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس مغايرة لما عرفته خلال العقود الماضية.
هذا القرار لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر، بل هو إعلان واضح عن انتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة البناء المؤسسي، حيث تتقدم فكرة “الدولة الوظيفية” على حساب “الدولة المسيّسة” التي ظلت رهينة للاستقطاب الحاد والانقسامات البنيوية.
بين الرمزية السياسية والضرورة العملية
يحمل القرار في طياته بعدين متكاملين:
الأول رمزي، يعكس إرادة سياسية لتجاوز إرث الدولة المركزية التقليدية دولة(56)، وإعادة توزيع السلطة على أسس أكثر عدالة ومرونة.
أما الثاني فهو عملي، يتمثل في وضع هيكل تنفيذي قادر على إدارة الملفات المعقدة التي خلفتها الحرب، من إعادة الإعمار إلى تحقيق الاستقرار الأمني والخدمي.
فالجهاز التنفيذي الذي تم الإعلان عنه، وفق الميثاق ودستور 2025) الانتقالي إذا ما أُحسن تشكيله وتفعيله، يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز حقيقية لمرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً إذا اعتمد على الكفاءة المهنية بدلاً من المحاصصات السياسية التي أضعفت الحكومات السابقة.
تحديات التنفيذ… الاختبار الحقيقي
غير أن قوة القرار لا تكمن في نصوصه، بل في كيفية تنزيله على أرض الواقع. وهنا تبرز عدة تحديات جوهرية
القدرة على النفاذ: هل يمتلك الأدوات التنفيذية التي تمكنه من العمل في بيئة ما زالت تعاني من هشاشة أمنية؟
التوازن بين المركز والأقاليم: هل سيعيد إنتاج المركزية أم يؤسس فعلاً لحكم لامركزي حقيقي؟
هذه الأسئلة تتطلب قوة ارادة وقناعة حقيقية من الحلفاء اولا والعمل علي استقطاب اكبر للقوة السياسية والمدنية التي تومن ببرنامج التغيير وخط طريق جديد لبناء سودان خالي من الحروب ودولة توفر العيش الكريم للمواطنين دون تمييز عرقي او جهوي او ديني وإعادة تعريف الدولة كما ورد في الدستور الانتقالي 2025م
الأهم في هذا القرار أنه يعكس محاولة لإعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها. فبدلاً من دولة تحتكر السلطة، نحن أمام تصور لدولة تشاركية، تتوزع فيها الصلاحيات، ويُعاد فيها بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
كما أن تأسيس جهاز تنفيذي جديد يفتح الباب أمام إعادة هيكلة الخدمة المدنية، وتحريرها من التمكين السياسي، وهو ما ظل مطلباً مركزياً في كل مراحل الانتقال السوداني.
ما بعد القرار
إذا نجحت حكومة السلام في تحويل هذا القرار إلى نموذج فعلي للحكم الرشيد، فقد يشكل ذلك بداية لمرحلة استقرار طال انتظارها.
في المحصلة، يبقى قرار محمد حسن التعايشي خطوة جريئة في اتجاه إعادة بناء الدولة، لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار صعب: هل تملك الإرادة والقدرة معاً لتحويل الرؤية إلى واقع؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.




