رأي

الأمن أولًا بوابة التنمية والاستقرار والتعايش السلمي

جيلان شريف

 

جيلان شريف

حين تتكلم البنادق، يصمت الاقتصاد، وتتراجع كل أحلام التنمية أمام واقع الفوضى وعدم الاستقرار. فالأمن ليس مجرد شعار سياسي، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الدول، والشرط الأول لقيام أي نشاط اقتصادي أو اجتماعي. لا يمكن أن تزدهر الأسواق، أو تنمو الاستثمارات، أو تستقر المجتمعات في ظل الحروب والصراعات، لأن الخوف يطرد الإنتاج، ويقوّض الثقة، ويُعطل حركة الحياة.

الحرب لا تخلّف دمارًا ماديًا فقط، بل تُنتج واقعًا أكثر تعقيدًا، يتجلى في انتشار الفقر، وتفشي الجريمة، وانهيار المؤسسات، وغياب سيادة القانون. في مثل هذه البيئة، يفقد الإنسان المنتج قدرته على الاستمرار، ويجد نفسه أمام تحديات تهدد أمنه ولقمة عيشه، فينسحب تدريجيًا من دائرة الإنتاج، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني ويعمّق الأزمة.

في هذا السياق، تبرز أهمية الطبقة الوسطى، من عمال وموظفين وأصحاب أعمال، باعتبارها العمود الفقري لأي مجتمع. هذه الفئة تمثل القوة المحركة للإنتاج، وتمتلك في الوقت ذاته وعيًا يمكن أن يسهم في توجيه المجتمع نحو الاستقرار أو دفعه نحو مزيد من الانقسام. فهي سلاح ذو حدين: إذا تم توجيهها نحو قيم التماسك والتعاون، أصبحت رافعة للتنمية، أما إذا جرى استغلالها عبر خطاب الكراهية والانقسامات القبلية، فإنها تتحول إلى أداة لتفكيك المجتمع وتأجيج الصراع.

وقد أثبتت تجارب عديدة أن الخطاب التحريضي، سواء كان قبليًا أو سياسيًا، يُستخدم في أوقات النزاع كوسيلة للتعبئة، مما يعمّق الشروخ داخل المجتمع ويُعيد تشكيل وعي الأفراد بما يخدم أطراف الصراع، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار العام. وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة وغياب العدالة، يصبح من السهل استقطاب الأفراد ودفعهم نحو الانخراط في الصراعات، بدافع الخوف أو التهميش أو التأثر بالدعاية.

ورغم وضوح النتائج الكارثية للحروب، من خسائر بشرية واقتصادية جسيمة وتعطّل عجلة التنمية، إلا أن استمرارها يعكس خللًا في إدارة الدولة والمجتمع معًا. فالأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على العدالة، وبناء مؤسسات قوية، وضمان توزيع عادل للموارد والفرص.

إن تحقيق الاستقرار مسؤولية مشتركة. فالدولة مطالبة بترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات فعالة، بينما يقع على عاتق المجتمع نبذ خطاب الكراهية وتعزيز قيم التعايش والتسامح. وبدون هذا التوازن، ستظل التنمية حلمًا مؤجلًا.

في النهاية، لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يرى النور دون بيئة آمنة ومستقرة. فحين يسود الأمن، تنطلق الطاقات، وتُبنى الدول، ويتحقق الازدهار. أما في غيابه، فلا صوت يعلو فوق صوت البنادق، ولا مكان للاقتصاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!