رأي

ماذا تعني الثورة؟

الطيب الزين

 

الطيب الزين 

الثورة في جوهرها ليست حدثا سياسيا عابرا، وليست مجرد احتجاجات في الشوارع، بل هي يقظة ذهنية شاملة تعيد تشكيل وعي الافراد والشعوب تجاه واقعهم وتجاه ما يجب ان يكون.  

الثورة تبدأ في العقل قبل ان تبدأ في الميدان، وتولد في الوعي قبل ان تتحول إلى فعل جماعي يغير مسار التاريخ.  

الثورة هي وعي بالاوضاع غير المناسبة في حياة الافراد والشعب، وعي بأن ما يجري ليس قدرا محتوما ولا واقعا ثابتا، بل نتيجة منظومات طغيان وفساد واستبداد تراكمت عبر الزمن.

فحين يدرك الشعب ان هذا الواقع البائس يمكن تغييره، تبدأ الثورة في التشكل كقوة ذهنية قبل ان تصبح قوة اجتماعية.

اليقظة الذهنية هي بوابة الحرية والحقوق، لأنها اللحظة التي يدرك فيها الشعب ان حريته لا تمنح بل تنتزع، وان الحقوق لا تهبط من السماء، بل تنتزع من فك الاسد.

اليقظة الذهنية هي لحظة الوعي بأن الشعب اقوى من حكم الطغيان، واقوى من شبكات الفساد، واقوى من كل منظومات الاستبداد التي حاولت عبر عقود ان تقنعه بأنه ضعيف، من خلال وسائل إضعاف الشعب الممنهج الذي تجيده الانظمة الفاسدة التي تمارس سياسة فرق تسد.

الثورة هي لحظة ادراك ان القوة الحقيقية ليست في السلاح ولا في السلطة، بل في وعي الجماهير وفي قدرتها على تنظيم نفسها، وفي ايمانها بأن الحرية حق اصيل لا يمكن التنازل عنه.

الثورة هي انتقال الشعب من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن موقع الخوف إلى موقع المبادرة، ومن موقع الصمت إلى موقع القول والفعل.

الثورة هي اعادة تعريف العلاقة بين الشعب والسلطة، وهي اعلان بأن السيادة ملك للشعب لا ملك للطغاة، وهي لحظة استعادة الكرامة الجماعية التي حاول الاستبداد سحقها، وهي لحظة استعادة الانسان لوعيه ولحقه في ان يعيش حياة تليق بكرامته.

وهنا تتجلى كرامة الإنسان كما قررها القرآن الكريم، بوصفها أساسا لكل حرية ولكل ثورة ولكل نهوض.

قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا

وقال تعالى: من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا.

وقال تعالى: يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير وقال تعالى: علمه البيان ، وقال تعالى: وعلم آدم الاسماء كلها. وقال تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. هذه النصوص تؤكد ان الكرامة والحرية والمعرفة والاختيار هي جوهر الإنسان، وهي أساس الثورة على الطغيان.

الثورة ليست فوضى، بل هي اعلى درجات التنظيم الواعي حين يدرك الشعب ان النظام القائم لم يعد يمثل مصالحه ولم يعد يعبر عن ارادته.

الثورة ليست غضبا، بل هي عقل جمعي يستيقظ.

الثورة ليست هدم الدولة، بل هدم الطغيان من اجل بناء دولة عادلة.

الثورة ليست صراعا على السلطة، بل صراع على الحرية وعلى حق الشعب في ان يكون هو صاحب القرار.

إن الثورة في معناها العميق هي يقظة ذهنية تفتح الطريق نحو مجتمع جديد، ودولة جديدة، وانسان جديد.

وهي لحظة تاريخية يدرك فيها الشعب إنه اقوى من الطغيان، وان الحرية لا تمنح بل تنتزع، والحقوق لا تهدى بل تنتزع.

وفي نهاية هذا المقال، لا بد من الإشارة إلى أن أكبر خديعة تعرض لها الشعب السوداني عبر تاريخه الحديث كانت الانقلابات العسكرية التي تحولت إلى بوابة واسعة لاختطاف الدولة وإضعاف المجتمع.

هذه الانقلابات لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت الآلية التي استغلتها بعض الدول لسرقة ثروات السودان وإذلال شعبه، عبر تحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى أداة تخدم مصالح الخارج، وتنفذ أجندات لا علاقة لها بمصلحة الوطن ولا بكرامة الإنسان السوداني.

لقد دفعت الانقلابات العسكرية السودان إلى دوامة من الفقر والحروب والتمزق الاجتماعي، وفتحت الباب أمام شبكات الفساد والعمالة لتنهب الذهب والأرض والموارد، بينما ظل الشعب يدفع الثمن من حياته وكرامته ومستقبله.

وهذه الحقيقة يجب أن تبقى حاضرة في الوعي الجمعي، لأن الثورة الحقيقية تبدأ من إدراك أن استعادة الدولة لا تتم إلا باستعادة الجيش المختطف من قبضة الكيزان القتلة الأشرار ، والتحرر من التبعية لدول القرون الوسطى، لا يتحقق إلا بإغلاق الباب أمام الانقلابات العسكرية، التي كانت ومازالت تشكل أخطر أدوات تدمير السودان.

الطيب الزين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!