
مهدي عبدالله حامد
يشرق فجر جديد على الدولة السودانية مع إقرار دستور 2025م، ذلك العهد الذي تجاوز النصوص الدستورية جامدة، بيد أنه جاء كوثيقة حية تعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الإعلام الحر كركيزة أساسية لا تستقيم بنية الدولة الحديثة بدونها، إذ إن القراءة الفاحصة للمواد المتعلقة بالحريات الصحفية توضح بجلاء أن المشرع السوداني قد أدرك أن الرقابة الشعبية التي يمارسها الإعلام هي الضمانة الأسمى لحماية الدستور من أي نكوص، علاوة على أن هذا الدور يتجاوز نقل الخبر إلى صناعة الوعي الوطني اللازم لتحصين المؤسسات.
واستنادا على ما تقدم، نجد أن الدستور الجديد قد أفرد مساحات مقدرة لتمكين الإعلام، لكونه يمثل المرآة التي تعكس نبض الشارع للسلطة التنفيذية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن تقوية شوكة السلطة الرابعة تساهم مباشرة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، وهي الأهداف التي وضعتها حكومة التأسيس في مقدمة أولوياتها، ومن نافلة القول إن الصحافة السودانية التي صمدت لعقود طويلة، تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية تاريخية، حيث إنها مطالبة بتقديم خطاب عقلاني يجمع ولا يفرق، ويدعم استقرار الدولة مع التمسك الصارم بحق النقد البناء.
وهنا تبرز الحكمة السياسية التي تقول إن “الحرية بلا قانون فوضى، والقانون بلا حرية استبداد” ولهذا السبب جاء الدستور ليوازن بين حرية التعبير وبين مقتضيات الأمن القومي بمفهومه الشامل، فضلاً عن أن هذا التوازن هو ما يمنح الدولة هيبتها وللصحافة مصداقيتها، وبناءً على ذلك، فإن العمل الإعلامي في ظل دستور 2025م يعد تكليفا وطنيا يهدف إلى حراسة المسار الديمقراطي، ومن ثم فإن تفعيل المواد الدستورية الخاصة بحماية الصحفيين تمثل الخطوة الأولى نحو بناء إعلام مهني قادر على المنافسة إقليميا ودوليا.
واستكمالا لهذا الطرح، يتضح لنا أن العلاقة بين الإعلام والدولة يجب أن تقوم على التكامل لا التصادم، نظرا لأن الهدف النهائي لكليهما هو رفعة السودان وصون كرامة إنسانه، وزيادة على ذلك، فإن الصحافة المسؤولة هي التي تفتح نافذة الحوار الوطني بذكاء وحصافة، مع مراعاة التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يزخر به السودان، ومن الضروري التأكيد على أن حماية الدستور ليست حكرا على المحكمة الدستورية فحسب، ولكن هي مهمة يومية يضطلع بها كل قلم حر يسعى لكشف الحقائق وتنوير الرأي العام، استنادا إلى مرجعية قانونية صلبة لا تقبل التأويل.
وهنا يمكننا القول إن الإعلام الحر في سودان ما بعد 2025م هو الرئة التي تتنفس بها الديمقراطية، والقوة الناعمة التي تحمي المكتسبات الوطنية من أي تهديد، ولأن التاريخ لا بنماذج الإعلام الموجه والمنحاز، فإن الضرورة تقتضي الآن الوقوف خلف نصوص الدستور وتفعيلها عبر ممارسة صحفية راشدة في هذا الواقع الجديد الذي تخلق للتو في مسيرة النهضة الشاملة من أجل الأداء الإعلامي القائم على الصدق، والعمل الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ليبقى السودان عزيزا، مهابا، ومحصنا بوعي أبنائه وإخلاص إعلامه الحر غير المتحزب وغير المنحاز.




