رأي

امتحان بلا وطن٠٠٠ كيف تحوّل التعليم إلى ضحية جديدة للصراع في السودان؟

جيلان شريف

 

جيلان شريف 

لم تعد أزمة امتحانات الشهادة السودانية 2026 مجرد خلل إداري أو ظرف طارئ فرضته الحرب، بل تحولت إلى مرآة عارية تكشف عمق الانقسام السياسي والاجتماعي في السودان، واتساع الفجوة بين الدولة ومواطنيها، خصوصاً في مناطق الهامش.

وفقاً لتقرير المبادرة القومية الطارئة لدعم الامتحانات، حُرم نحو 280 ألف طالب وطالبة من الجلوس للامتحان، بعضهم للمرة الثالثة على التوالي. رقم لا يمكن التعامل معه كإحصائية عابرة، بل كدليل على أن حق التعليم نفسه أصبح رهينة للصراع، وأن مستقبل جيل كامل بات معلقاً بين خطوط التماس.

ما يلفت في التقرير ليس فقط حجم الحرمان، بل طبيعة الطريق المسدود الذي واجهته المبادرة خلال محاولاتها للتوصل إلى صيغة امتحانات موحدة. فبدلاً من أن يكون التعليم مساحة مشتركة خارج الصراع، وجد نفسه في قلبه، يتأثر بتباين المواقف السياسية وتعدد مراكز القرار على الأرض.

لكن لفهم أعمق لهذه الأزمة، لا بد من النظر خارج لحظة الحرب الحالية، نحو تراكمات طويلة صنعت هذا المشهد المعقد.

في مناطق واسعة من السودان، خصوصاً الهامش، تراكمت مظالم تاريخية مرتبطة بالتنمية غير المتوازنة وضعف الخدمات والصراع على الموارد. هذه التراكمات لم تبقَ مجرد مشكلات خدمية، بل تحولت إلى إحساس جمعي بالغبن، يُستدعى بقوة في أوقات الأزمات، ويؤثر على طريقة قراءة الناس للصراع والدولة معاً.

إلى جانب ذلك، فإن توظيف الهوية في الصراع السياسي والعسكري لم يكن حكراً على طرف واحد، بل أصبح سمة متكررة في بيئة انهارت فيها مؤسسات الدولة أو ضعفت. في مثل هذه السياقات، تتحول الانتماءات القبلية والجهوية من روابط اجتماعية إلى أدوات تعبئة، تُستخدم أحياناً لتعزيز النفوذ أو الحشد أو حتى التبرير السياسي.

كما أن الخطاب الذي يركز على ثنائية المركز والهامش، رغم أهميته في تفسير بعض اختلالات الدولة السودانية، يمكن أن يتحول بدوره إلى إطار استقطابي إذا لم يُصَغ داخل مشروع وطني شامل، يعالج جذور الأزمة بدلاً من إعادة إنتاجها في شكل صراع دائم بين مكونات البلد.

الأهم من ذلك أن اختزال ما يجري في طرف واحد أو سردية واحدة هو تبسيط مخلّ. فالصراع السوداني اليوم نتاج تداخل معقد بين فاعلين متعددين: سلطات قائمة، حركات مسلحة، نخب محلية، وانهيار مؤسسي طويل الأمد، وكل ذلك أسهم في خلق بيئة تُعاد فيها إنتاج الأزمات بدل حلها.

في ظل هذا الواقع، يصبح حرمان مئات الآلاف من الطلاب من الامتحان أكثر من مجرد مشكلة تعليمية؛ إنه تهديد مباشر لفكرة الدولة نفسها. فالتعليم ليس خدمة فحسب، بل هو أحد آخر الخيوط التي تربط المجتمع بوحدة رمزية ومعنوية.

إن أخطر ما في الأزمة ليس فقدان الامتحان فقط، بل احتمال تحول الشهادة السودانية من رمز وطني جامع إلى مساحة إضافية للتمييز والانقسام. وعندما يحدث ذلك، فإننا لا نخسر عاماً دراسياً، بل نخسر جزءاً من إمكانية إعادة بناء الثقة بين السودانيين.

لذلك، فإن ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط حلولاً تقنية لتنظيم الامتحانات، بل رؤية سياسية وأخلاقية أوسع، تعيد الاعتبار للتعليم كحق غير قابل للمساومة، وكأحد أهم ركائز إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!