
نجم الدين دريسة
حين تتحول الكذبة إلى بنية حكم، لا يعود الصدق مجرد فضيلة مهجورة، بل يصبح فعلاً مريبًا يُنظر إليه بريبة، ويُدفع أصحابه إلى الهامش. في هذا السياق، لا تبدو سلطة بورتسودان مجرد حكومة تعاني التناقض أو الارتباك، بل مشروعًا متكاملًا لإدارة الواقع عبر إعادة تشكيله سرديًا. إنها سلطة لا تُقاس فيها الكفاءة بقدرة المسؤول على الإنجاز، بل بمهارته في إعادة إنتاج الرواية، وصياغة الوقائع بما يخدم بقاءها، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة ذاتها.
من يتأمل الخطاب الرسمي يلحظ نمطًا متكررًا من التناقض لا يمكن تفسيره بالخطأ أو سوء التقدير. التصريحات لا تتكامل، بل تتنافر؛ والمواقف لا تتطور، بل تُستبدل. المسؤول ذاته قد يقول الشيء ونقيضه في فترات زمنية متقاربة، دون أن يشعر بحاجة إلى تفسير أو مراجعة. وكأن التناقض لم يعد خللًا سياسيًا، بل أصبح جزءًا من آلية العمل، بل ربما شرطًا من شروط الاستمرار داخل المنظومة.
في قلب هذا المشهد، يقف عبد الفتاح البرهان بوصفه مركزًا لإنتاج الخطاب، لا لإدارته. فالرجل لا يتعامل مع الحقيقة باعتبارها مرجعًا ثابتًا، بل مادة مرنة قابلة لإعادة التشكيل وفق مقتضيات اللحظة. تتعدد تصريحاته بتعدد الجمهور المستهدف: خطاب للداخل، وآخر للخارج، وثالث يُستخدم كأداة للمناورة. غير أن المحصلة النهائية واحدة: حالة من التآكل المستمر في ثقة الدولة بنفسها، قبل أن تكون في ثقة مواطنيها بها.
أما ياسر العطا، فيمثل نموذجًا آخر داخل هذه المنظومة، حيث يغلب الحضور الصوتي على المضمون. فخطابه، رغم كثافته، يفتقر إلى المعنى القابل للبناء عليه، ويؤدي وظيفة أقرب إلى ملء الفراغ الإعلامي، لا إلى توجيه الرأي العام. وفي مثل هذه الأنظمة، لا يكون الهدف دائمًا إقناع الجمهور، بل إغراقه بسيل من التصريحات المتداخلة التي تحول دون تمييز الحقيقة من الزيف.
هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن طبيعة الاختيار داخل السلطة. فالأفراد لا يصلون إلى مواقعهم عبر معايير الكفاءة أو الرؤية، بل عبر قدرتهم على التكيّف مع منطق التضليل. من يجيد تبرير الفشل، وتجميل الإخفاق، وتسويق الرواية الرسمية، يجد طريقه مفتوحًا. أما من يتردد أمام الحقائق أو يسعى إلى قدر من الاتساق، فيُدفع تدريجيًا إلى خارج الدائرة. وهكذا تتشكل بنية مغلقة، تعيد إنتاج نفسها عبر المعايير ذاتها.
الإعلام، في هذا السياق، لا يؤدي دور الوسيط بين الواقع والجمهور، بل يتحول إلى أداة مركزية في صناعة الرواية. لا يسأل عما حدث، بل عما ينبغي أن يُقال إنه حدث. تُعاد صياغة الوقائع، وتُختزل التعقيدات، وتُضخَّم الإنجازات الجزئية، بينما تُهمَّش الإخفاقات أو تُبرَّر. إنه إعلام لا ينقل الواقع، بل يقدّم بديلاً عنه، في محاولة مستمرة لفرض سردية موازية قد تصمد مؤقتًا، لكنها تظل هشّة أمام اختبار الزمن.
في المقابل، تلعب شخصيات مثل مني أركو مناوي ومالك عقار أدوارًا تكميلية داخل المشهد، تضفي عليه مظهر التعدد والتوازن، دون أن تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعته. حضورهم يبدو جزءًا من هندسة سياسية دقيقة، تهدف إلى إظهار تنوع شكلي، بينما تظل القرارات الحقيقية محصورة في دائرة ضيقة. وفي مثل هذه البُنى، يصبح الصمت أحيانًا أكثر قيمة من الكلام، لأنه يجنّب صاحبه الاصطدام مع الرواية السائدة.
إدخال وجوه مدنية أو ذات خلفيات فكرية، مثل كامل إدريس، يُستخدم بدوره كأداة لإضفاء مسحة إصلاحية على المشهد. غير أن التجربة داخل هذا الإطار تكشف سريعًا أن المساحة المتاحة للتأثير محدودة، وأن الدور المطلوب لا يتجاوز حدود التجميل. من يدخل على أمل التغيير، يواجه واقعًا مختلفًا، حيث الأولوية ليست للأفكار، بل للانضباط داخل منطق السلطة.
في المحصلة، لا يجمع هذه المكونات مشروع وطني متماسك، بقدر ما يجمعها هاجس مشترك: الخوف من الحقيقة. فالحقيقة، بما تحمله من قدرة على كشف التناقضات وفضح العجز، تمثل تهديدًا مباشرًا لبنية قائمة على التحكم في السرد. لذلك تُواجَه بكل الوسائل الممكنة، من تعدد التصريحات إلى تضخيم الضجيج الإعلامي، في محاولة دائمة لتأجيل لحظة المواجهة.
غير أن هذا التأجيل، مهما طال، لا يلغي الاستحقاق. فالواقع، بما يحمله من أزمات متراكمة ومعاناة إنسانية متزايدة، يظل أكثر صلابة من أي رواية. وقد تنجح السلطة في إطالة أمد بقائها عبر إدارة الانطباعات، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقائق التي تتراكم خارج نطاق خطابها. وفي نهاية المطاف، لا يكون سقوط مثل هذه المنظومات نتيجة لقوة خصومها، بقدر ما يكون نتيجة لانفصالها المتزايد عن الواقع.
هكذا، تبدو سلطة بورتسودان مثالًا لنظام يراهن على الكلمة بدل الفعل، وعلى الرواية بدل الحقيقة. رهان قد يمنحها وقتًا إضافيًا، لكنه في الوقت ذاته يراكم أسباب نهايتها. فحين تتسع الفجوة بين ما يُقال وما هو كائن، يصبح الانهيار مسألة زمن، لا أكثر.




