رأي

بين الابتزاز الإعلامي وتزييف الوعي… كيف أعادت غرف الإسلاميين تشكيل تعريف الصراع في السودان؟

عماد جدو

 

عماد جدو

حين تُغزَى العقول قبل المدن… ماذا يخبرنا يوري بزمنيوف عن حروب السودان الخفية؟

في الحروب الحديثة، لا تكون الطلقة الأولى هي الأخطر… بل الفكرة الأولى.

قبل أن تُحاصر المدن، يُحاصر الوعي. وهنا يعود اسم يوري بزمنيوف، لا كشاهد على الحرب الباردة فقط، بل كعدسة لفهم ما جرى في السودان قبل أن تنفجر البنادق.

بزمنيوف قدّم تصورًا لما سماه “التخريب الأيديولوجي”؛ عملية بطيئة تعيد تشكيل وعي المجتمعات عبر الإعلام والثقافة، لا عبر الدبابات. تمر هذه العملية بأربع مراحل: تآكل القيم، زعزعة الاستقرار، لحظة الأزمة، ثم فرض واقع جديد. وهي مراحل تبدو، عند إسقاطها على السودان، أقرب إلى وصف دقيق لمسار ما قبل حرب أبريل.

في الحالة السودانية، لم تكن المعركة على الأرض فقط، بل على الرواية: استقطاب حاد، سيل من المعلومات المتناقضة، وخطاب تعبوي يقسم المجتمع إلى ثنائيات قاسية. لم يعد الهدف إقناع الناس بالحقيقة، بل إغراقهم في ضباب كثيف من “أنصاف الحقائق”، بحيث يفقدون القدرة على التمييز.

لكن الأخطر لم يكن فقط في إنتاج هذا الضباب، بل في نتائجه السياسية. فقد وجدت قوى مدنية نفسها—عن قصد أو بدونه—واقعة تحت ضغط وابتزاز إعلامي مارسته غرف رقمية منظمة، ما أدى إلى إرباك تعريفها لطبيعة الصراع. بين من تبنى سرديات جاهزة، ومن حاول التوفيق بين خطابين متناقضين، تراجع الوضوح، واهتزت البوصلة.

ومع ذلك، فإن قراءة بزمنيوف لا تعني اختزال الأزمة في “مؤامرة خارجية”. فالسودان أيضًا نتاج أزمات داخلية عميقة، من هشاشة الدولة إلى صراعات السلطة. لكن تحذيره يظل قائمًا: أخطر الحروب هي تلك التي تُخاض في العقول قبل أن تُرى في الشوارع.

في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي:

من يملك الوعي… لا من يملك السلاح؟

حرب ما قبل الرصاص… كيف استعدت الحركة الإسلامية لغزو الفضاء الإسفيري قبل 15 أبريل؟

لم تكن حرب 15 أبريل 2023 حدثًا مفاجئًا بالكامل، بل سبقتها معركة صامتة: معركة السيطرة على الوعي عبر الفضاء الرقمي.

بعد سقوط نظام عمر البشير في 2019، فقدت الحركة الإسلامية أدواتها التقليدية، لكنها لم تغادر المشهد. أعادت التموضع سريعًا، مدركة أن الصراع القادم لن يُحسم في الشارع فقط، بل على الشاشات.

خلال سنوات ما بعد الثورة، أُعيد بناء شبكة رقمية معقدة مستفيدة من كوادر إعلامية سابقة، وبقايا شبكات أمنية، وتنظيمات شبابية. لم تكن هذه مجرد أنشطة فردية، بل ملامح “غرف عمليات” غير معلنة تعمل عبر ثلاث طبقات: صفحات موجهة بخطاب موحد، حسابات مكثفة لإعادة النشر والتضخيم، ومجموعات مغلقة لتنسيق الرسائل اليومية.

الأهم أن السرديات لم تُصنع لحظة الحرب، بل كانت جاهزة مسبقًا:

روايات محددة حول “حماية الدولة”، وشيطنة الخصوم، والتشكيك في الثورة. ومع اندلاع القتال، انتشرت هذه الرسائل بسرعة لافتة، دون ارتباك.

لم يكن الهدف فقط الإقناع، بل الإرباك. عبر الأخبار غير المؤكدة، والمحتوى العاطفي، وإعادة تدوير المواد، صُنع ضباب معلوماتي كثيف. كما استُخدم الخطاب الديني كأداة تعبئة، ما أضفى على الصراع بعدًا عقائديًا يزيد من حدته.

في خضم هذا المشهد، تعرضت قوى مدنية سودانية لضغط إعلامي منظم، بلغ حد الابتزاز المعنوي عبر حملات التشويه والتخوين. هذا الضغط أسهم في تشويش تعريف الصراع: هل هو نزاع بين دولة ومليشيا؟ أم صراع بين مكونات عسكرية متعددة داخل بنية سلطة واحدة؟

هذا الالتباس لم يكن تفصيلاً، بل أثر مباشرة على مواقف تلك القوى وتحالفاتها. غير أن جزءًا منها أدرك لاحقًا خطورة الانزلاق داخل السردية المصنوعة، فبدأ في مراجعة موقفه، متجهًا نحو إعادة تعريف الصراع بصورة مختلفة. في هذا السياق برزت تحالفات جديدة، من بينها تقارب قوى مدنية مع قوات الدعم السريع، وانضمام عبد العزيز الحلو ضمن ترتيبات سياسية وعسكرية أوسع عُرفت بتحالف “تأسيس”.

الخلاصة أن ما جرى لم يكن دعاية عابرة، بل عملية إعادة تشكيل للوعي السياسي نفسه.

ففي السودان، كما تكشف هذه التجربة، لا تُصنع التحالفات فقط في غرف التفاوض… بل أيضًا في غرف الإعلام الخفية.

وفي النهاية، تبرز حقيقة قاسية:

من يسيطر على الرواية… لا يصف الواقع فقط، بل يعيد تشكيله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!