بين السيادة النقدية والارتباك المؤسسي: قراءة معمّقة في قرار حظر تداول العملة بالسودان
التنوير تقرير

التنوير تقرير

قرار نقدي في لحظة سيولة سياسية هشّة
في سياق يتسم بتفكك مؤسسي غير مسبوق، وانقسام فعلي في مراكز السلطة، جاء القرار رقم (5) لسنة 2026 ليطرح واحدة من أعقد الإشكالات المرتبطة بإدارة السياسة النقدية في السودان. فالقرار، الذي يقضي بحظر تداول فئات محددة من العملة وفق معيار التوقيع وتاريخ الإصدار، لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً تقنيًا محضًا، بل باعتباره انعكاسًا لمحاولة فرض سيادة اقتصادية في بيئة تفتقر إلى مقومات هذه السيادة. ومن هنا، فإن تحليله يستدعي مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين القانون والاقتصاد والسياسة والواقع الاجتماعي.

الإطار القانوني: بين مبدأ السيادة وحدود المشروعية
من الناحية النظرية، تُعد العملة الوطنية أحد أبرز مظاهر السيادة، إذ ترتبط بإصدارها وإدارتها مؤسسات مركزية مثل البنك المركزي ووزارة المالية. غير أن الإشكال في الحالة السودانية الراهنة يتمثل في غياب وحدة مؤسسية جامعة، ما يجعل أي قرار نقدي محل تساؤل من حيث مشروعيته وفاعليته. كما يثير القرار مسألة قانونية جوهرية تتعلق بمبدأ عدم رجعية القوانين، إذ إن تجريم حيازة عملة كانت متداولة بصورة قانونية حتى وقت قريب يمثل إشكالًا في الفقه القانوني، وقد يفتح الباب أمام طعون قانونية داخلية وخارجية.
إشكالية التنفيذ: الفجوة بين النص والتطبيق
يستند القرار إلى فرض حظر فوري ومطلق، وهو ما يتطلب، في الظروف الطبيعية، وجود بنية مصرفية متكاملة قادرة على امتصاص الصدمة النقدية. وتشمل هذه البنية شبكات بنوك، وقنوات تحويل، ونظامًا واضحًا لاستبدال العملة أو تعويض حائزيها. غير أن الواقع في مناطق واسعة من السودان يشير إلى غياب هذه الأدوات، ما يجعل تنفيذ القرار على الأرض عملية معقدة، إن لم تكن مستحيلة. وفي مثل هذه الحالات، يتحول القرار من سياسة عامة إلى إعلان رمزي قد لا يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي.
الأثر على الكتلة النقدية: انكماش غير محسوب
اقتصاديًا، يؤدي سحب جزء من الكتلة النقدية من التداول دون تعويض مباشر إلى انكماش السيولة، وهو ما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي. فالتجار، في ظل ندرة النقد، قد يلجؤون إلى تقليص المعروض من السلع أو رفع الأسعار، تحسبًا للمخاطر. كما أن وجود نوعين من العملة إحداهما مقبولة والأخرى مرفوضة قد يؤدي إلى نشوء نظام تسعير مزدوج، حيث تختلف قيمة السلعة حسب وسيلة الدفع، وهو ما يعمق التشوهات في السوق.
البعد الاجتماعي: هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا
تظهر التداعيات الأكثر حساسية في البعد الاجتماعي، حيث يعتمد قطاع واسع من المواطنين على النقد المباشر في معاملاتهم اليومية. فالأموال التي بحوزة الأفراد، خاصة في مناطق النزاع والنزوح، تمثل غالبًا مدخرات محدودة لمواجهة احتياجات أساسية. وبالتالي، فإن أي قرار يؤدي إلى تقليص قيمتها أو التشكيك في قانونيتها قد يفاقم من هشاشة هذه الفئات، ويزيد من معدلات الفقر وانعدام الأمن المعيشي.
البعد الأمني: الاقتصاد تحت مظلة القوة
إسناد تنفيذ القرار إلى جهات أمنية وعدلية يطرح إشكالية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الاقتصاد والأمن. ففي الحالات الطبيعية، تُدار السياسة النقدية عبر مؤسسات فنية متخصصة، بينما يقتصر دور الأجهزة الأمنية على الدعم عند الحاجة. غير أن توسيع صلاحيات هذه الجهات في ضبط السوق النقدي قد يؤدي إلى ممارسات غير منضبطة، خاصة في غياب الرقابة المؤسسية، وهو ما قد يؤثر سلبًا على ثقة المواطنين في عدالة تطبيق القرار.

التعميم التوضيحي: إدارة الأزمة أم تعقيدها؟
صدور تعميم لاحق لتوضيح نطاق القرار يعكس محاولة لمعالجة اللبس الذي صاحب الإعلان الأول. غير أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، قد تُفسَّر أيضًا كمؤشر على ضعف الإعداد المسبق للسياسة. فالتعديلات السريعة في القرارات النقدية غالبًا ما تؤدي إلى ارتباك الأسواق، وتدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تبني سلوكيات احترازية، مثل تخزين السلع أو التحول إلى العملات الأجنبية.
البعد السياسي: العملة كأداة نفوذ
في سياقات الصراع، تتحول العملة من مجرد وسيلة تبادل إلى أداة سياسية تُستخدم لترسيخ النفوذ أو تقويضه. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة القرار باعتباره محاولة لإعادة تشكيل المجال الاقتصادي بما يتماشى مع موازين القوى القائمة. غير أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها السياسية، قد تحمل مخاطر اقتصادية، خاصة إذا لم تُدعَم بأدوات مؤسسية قوية.
المخاطر المستقبلية: الأسواق الموازية وفقدان الثقة
من أبرز النتائج المحتملة لمثل هذه القرارات هو توسع الأسواق غير الرسمية، حيث يلجأ الأفراد إلى تداول العملات المحظورة أو الأجنبية خارج الإطار القانوني. كما أن فقدان الثقة في العملة قد يدفع المواطنين إلى الاحتفاظ بأصول بديلة، مثل الذهب أو العملات الصعبة، وهو ما يضعف قدرة أي سلطة على التحكم في السياسة النقدية.
الحاجة إلى تدرج مؤسسي لا صدمة نقدية
في المحصلة، يعكس القرار محل النقاش فجوة واضحة بين الطموح في فرض سيادة نقدية، والواقع المؤسسي الذي لا يزال في طور التشكل. كما يكشف عن تحديات عميقة في إدارة الاقتصاد في ظل الانقسام السياسي وغياب البنية التحتية المالية.
إن استقرار العملة لا يتحقق عبر الحظر الفوري أو التجريم، بل عبر بناء مؤسسات قوية، ووضع سياسات تدريجية تراعي الواقع الاجتماعي والاقتصادي. فالتجارب العالمية تشير إلى أن إصلاح النظام النقدي في البيئات الهشة يتطلب الثقة أولاً، ثم الأدوات، ثم القرارات وليس العكس.




